هو عند السلف رحمهم الله أن تكون الكلمة منقولة عن حكم لها أصلي على غيره كما في قوله علت كلمته " وجاء ربك " فالأصل وجاء أمر ربك، فالحكم الأصلي في الكلام لقوله ربك هو الجر وأما الرفع فمجاز، وفي قوله " واسئل القرية " والأصل واسئل أهل القرية فالحكم الأصلي للقرية في الكلام هو الجر والنصب مجاز، وفي قوله " ليس كمثله شيء " فالأصل ليس مثله شيء بنصب مثله والجر مجاز، ومدار هذا النوع على حرف واحد وهو أن تكتسي الكلمة حركة لأجل حذف كلمة لا بد من معناها أو لأجل إثبات كلمة مستغنى عنها استغناء واضحا كالكاف في قوله عز اسمه ليس كمثله أو الباء في نحو بحسبك أن تفعل كذا ونحو " كفى بالله " دون الباء في نحو ليس زيد بمنطلق أو ما زيد بقائم ورأيي في هذا النوع أن يعد ملحقا بالمجاز و مشبها به لما بينهما من الشبه وهو اشتراكهما في التعدي عن الأصل على غير أصل لا أن يعد مجازا وبسبب هذا لم أذكر الحد شاملا له ولكن العهدة في ذلك على السلف.
الفصل الخامس
في المجاز العقلي
المجاز العقلي هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه لضرب من التأويل إفادة للخلاف لا بوساطة وضع كقولك أنبت الربيع القبل وشفى الطبيب المريض وكسا الخليفة الكعبة وهزم الأمير الجند وبنى الوزير القصر وإنما قلت خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه دون أن أقول خلاف ما عند العقل لئلا يمتنع طرده بما إذا قال الدهري عن اعتقاد جهل أو جاهل غيره أنبت الربيع البقل رائيا إنبات البقل من الربيع فإنه لا يسمى كلامه ذلك مجازا وإن كان بخلاف العقل في نفس الأمر ولذلك لا تراهم يحملون نحو:
أشاب الصغير وأفنى الكبي " " ر كر الغداة ومر العشي
على المجاز ما لم يعلموا أو يغلب في ظنهم أن قائله ما قاله عن اعتقاد أو ما تراهم كيف استدلوا لقول أبي النجم:
قد أصبحت أم الخيار تدعى ... علي ذنبا كله لم أصنع
من أن رأت رأسي كرأس الأصلع ... ميز عنه قنزعا عن قنزع
جذب الليالي أبطئي أو أسرعي
حين نسب انحسار الشعر عن الرأس على الزمان قائلا
ميز عنه قنزعا عن قنزع جذب الليالي لكونه مجازا بما أتبعه
من قوله:
أفناه قيل الله للشمس اطلعي ... حتى إذا واراك أفق فارجعي