ولما أن الاستعارة مبناها على التشبيه تتنوع على خمسة أنواع تنوع التشبيه إليها. استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي أو بوجه عقلي واستعارة معقول لمعقول واستعارة محسوس لمعقول واستعارة معقول لمحسوس، فمن النوع الأول قوله عز اسمه " واشتغل ارأس شيبا " فالمستعار منه هو النار والمستعار له هو الشيب والجامع بينهما هو الانبساط ولكنه في النار أقوى فالطرفان حسيان ووجه الشبه حسي، ومن الثاني قوله عز اسمه " إذا أرسلنا عليهم الريح العقيم " فالمستعار له الريح والمستعار منه المرء والجامع المنع من ظهور النتيجة والأثر فالطرفان حسيان ووجه الشبه عقلي وكذلك قوله تعالى " وآية لهم الليل نسلخ منه النهار " فالمستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلدته فالطرفان حسيان والجامع هو ما يعقل من ترتب أحدهما على الآخر وكذلك قوله " فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس " فالمستعار له الأرض المزخرفة المتزينة والمستعار منه النبات وهما حسيان والجامع الهلاك وهو أمر معقول وكذلك قوله حصيدا خامدين فاصل الخمود للنار، ومن الثالث قوله عز اسمه " من بعثنا من مرقدنا " فالرقاد مستعار للموت وهما أمران معقولان والجامع عدم ظهور الأفعال، وقوله وقدمنا على ما عملوا " فالقدوم وهو مجيء المسافر بعد مدة مستعار للأخذ في الجزاء بعد الإمهال وهما أمران معقولان والجامع وقوع المدة في البين وقوله " سنفرغ لكم أيها الثقلان " فالفراغ وهو الخلاص عن المهام والله عز سلطانه لا يشغله شأن عن شأن وقع مستعارا للأخذ في الجزاء وحده وذلك أمر عقلي والطرفان عقليان، وقوله " تكاد تميز من الغيظ " وكذا، قوله سمعوا لها تغيظا وزفيرا فالغيظ والتغيظ مستعاران من الحالة الوجدانية التي تدعو على الانتقام للحالة المتوهمة من نار الله أعاذنا الله منها برحمته وفضله وقوله " ولما سكت عن موسى الغضب " فالمستعار منه هو إمساك اللسان عن الكلام وأنه أمر معقول والمستعار له تفاوت الغضب عن اشتداده على السكون، وأنه أيضا أمر وجداني عقلي، والجامع هو أن الإنسان مع الغضب إذا اشتد وجد حالة للغضب كأنها تغريه وإذا سكن وجده كأنه قد أمسك عن الإغراء، ومن الرابع قوله عز اسمه " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه " فأصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام، ثم استعبر القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهاب الباطل فالمستعار منه حسي والمستعار له عقلي، وقوله مستهم البأساء والضراء فأصل المساس في الأجسام ثم وقع مستعارا لمقاساة الشدة، وقوله " وضربت عليهم الذلة " فالمستعار منه ضرب الخيمة أو ما شاكلها، وأنه أمر حسي، والمستعار له التثبيت وأنه أمر عقلي، وكذا قوله " وزلزلوا " حتى يقول الرسول " فأصل الزلزال التحريك العنيف، ثم وقع مستعار لشدة ما نالهم، وقوله " فاصدع بما تؤمر فالصدع وهو كسر الزجاجة ببذل الإمكان وأنه أمر حسي مستعار لتبليغ الرسالة ببذل الإمكان وأنه أمر عقلي، وقوله " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا " فأصل الخوض في الماء ثم وقع مستعارا لذكر الآيات، وكل خوض ذمه الله في القرآن فهو من هذا القبيل، وقوله " ألم تر أنهم في كل واد يهيمون " فالوادي مستعار للأمر والهيمان الاشتغال به على سبيل التحير، فالمستعار منه في هذه الأمثلة حسي والمستعار له عقلي، ومن الخامس قوله عز اسمه " إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية " فالمستعار منه التكبر وهو عقلي والمستعار له كثرة الماء وهو حسي، والجامع الاستعلاء المفرط، وقوله " بريح صرصر عاتية " فالعتو ههنا مستعار استعارة الطغيان في المثال الأول وقوله " فنبذوه وراء ظهورهم " فالنبذ وراء الظهر وهو أن تلقي الشيء خلفك أمر حسي، ثم وقع مستعارا للتعرض للغفلة وأنه أمر عقلي والجامع الزوال عن المشاهدة وقوله " فأحيينا به بلدة ميتا " فالإحياء أمر عقلي، ثم وقع مستعارا لإظهار النبات والأشجار والثمار وأنه أمر حسي، وكذلك قوله " فأنشرنا به بلدة ميتا أي أحيينا. واعلم أن الكلام في جميع ما ذكر من الأمثلة في الأنواع الخمسة قول الأصحاب ولعل لي في البعض نظرا.
الفصل الرابع
من فصول المجاز في المجاز اللغوي الراجع على
حكم الكلمة في الكلام