هذا الاختلاف في علم النحو. الاختلاف في علم النحو.
واعلم أن مدار قرينة الاستعارة التبعية في الأفعال وما يتصل بها على نسبتها على الفاعل كقولك نطقت الحال أو على المفعول الأول كقول ابن المعتز:
قتل البخل وأحيا السماح
أو على الثاني المنصوب كقول الآخر:
صبحنا الخزرجية مرهفات
وكقول الآخر: نقريهم لهذميات، أو على المجرور كقوله: علت كلمته " فبشرهم بعذاب أليم " أو على الجميع كقوله:
تقرى الرياح رياض الحزن مزهرة ... إذا سرى النوم في الأجفان إيقاظا
هذا ما أمكن من تلخيص كلام الأصحاب في هذا الفصل، ولو أنهم جعلوا قسم الاستعارة التبعية من قسم الاستعارة بالكناية بأن قلبوا فجعلوا في قولهم نطقت الحال بكذا الحال التي ذكرها عندهم قرينة الاستعارة بالتصريح استعارة بالكناية عن المتكلم بوساطة المبالغة في التشبيه على مقتضى المقام وجعلوا نسبة النطق إليه قرينة الاستعارة كما نراهم في قوله وإذا المنية أنشبت أظفارها يجعلون المنية استعارة بالكناية عن السبع ويجعلون إثبات الأظفار لها قرينة الاستعارة، وهكذا لو جعلوا البخل استعارة بالكناية عن حي أبطلت حياته بسيف أو غير سيف فالتحق بالعدم وجعلوا نسبة القتل إليه قرينة، ولو جعلوا أيضا اللهذميات استعارة بالكناية عن المطعومات اللطيفة الشهية على سبيل التهكم وجعلوا نسبة لفظ القرى إليها قرينة الاستعارة لكان أقرب على الضبط فتدبره وإذ قد عرفت ما ذكرت فلا بأس أن أحكي لك ما عند السلف في تعريف الاستعارة حدها عند بعضهم تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإنابة، وعند الأكثر جعل الشيء الشيء لأجل المبالغة في التشبيه كقولك: رأيت أسدا في الحمام وجعل الشيء للشيء لأجل المبالغة في التشبيه كقولك لسان الحال وزمام الحكم ولا أزيد على الحكاية.
القسم السابع والقسم الثامن: في تجريد الاستعارة وترشيحها. اعلم أن الاستعارة في نحو عندي أسد إذا لم تعقب بصفات أو تفريع كلام لا تكون مجردة ولا مرشحة وإنما يلحقها التجريد أو الترشيح إذا عقبت بذلك، ثم إن الضابط هناك أصل واحد وهو أنك قد عرفت أن الاستعارة لا بد لها من مستعار له ومستعار منه فمتى عقبت بصفات ملائمة للمستعار له أو تفريع كلام ملائم له سميت مجردة ومتى عقبت بصفات أو تفريع كلام ملائم للمستعار منه سميت مرشحة مثالها في التجريد أن تقول ساورت أسدا شاكي السلاح طويل القناة صقيل العضب وجاورت بحرا ما أكثر علومه وما أجمعه للحقائق وما أوقفه على الدقائق ومثالها في الترشيح ان تقول ساورت أسدا هصورا عظيم اللبدتين وافي البراثن منكر الزئير وجاورت بحرا زاخرا لا يزال يتلاطم أمواجه ولا يغيض فيضه ولا يدرك قعره ولا أعني بالصفات الصفات النحوية بل الوصف المعنوي كيف كان، ومبني الترشيح على تناسي التشبيه وصرف النفس عن توهمه حتى لا تبالي أن تبنى على علو القدر وسمو المنزلة بناءك على العلو المكاني والسمو كما فعل أبو تمام إذ قال:
ويصعد حتى يظن الجهو ... ل بأن له حاجة في السماء
وابن الرومي إذ قال:
أعلم الناس بالنجوم بنو نو ... بخت علما لم يأتهم بالحساب
بل بأن يشاهدوا السماء سموا ... بترق في المكرمات الصعاب
مبلغ لم يكن ليبلغه الطا ... لب إلا بتلكم الأسباب
وكما قال أيضا:
يا آل نوبخت لا عدمتكم ... ولا تبدلت بعدكم بدلا
إن صح علم النجوم كان لكم ... حقا إذا ما سواكم انتحلا
كم عالم فيكم وليس بأن قا ... س ولكن بأن رقى فعلا
أعلاكم في السماء مجدكم ... فلستم تجهلون ما جهلا
شافتهم البدر بالسؤال عن الأمر على أن بلغتم زحلا
وتلزم المستعار له ما يلزم المستعار منه من التعجب أو غير التعجب مما لا يليق إلا بالمستعار منه كما فعل من قال:
قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس
ومن قال:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر
ومن قال:
أتتني الشمس زائرة ... ولم تك تبرح الفلكا
ومن قال: ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه