تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القسم السادس: في الاستعارة التبعية هي ما تقع في غير أسماء الأجناس كالأفعال والصفات المشتقة منها وكالحروف بناء على دعوى أن الاستعارة تعتمد التشبيه والتشبيه يعتمد كون المشبه موصوفا والأفعال والصفات المشتقة منها والحروف عن أن توصف بمعزل فهذه كلها عن احتمال الاستعارة في أنفسها بمعزل وإنما المحتمل لها في الأفعال والصفات المشتقة منها مصادرها وفي الحروف متعلقات، معانيها فتقع الاستعارة هناك ثم تسري فيها وأعني بمتعلقات معاني الحروف ما يعبر عنها عند تفسيرها مثل قولنا من معناها ابتداء الغاية على معناها انتهاء الغاية، وكي معناها الغرض فابتداء الغاية وانتهاء الغاية والغرض ليست معانيها إذ لو كانت هي معانيها والابتداء والانتهاء والغرض أسماء لكانت هي أيضا أسماء لأن الكلمة إذا سميت اسما سميت لمعنى الاسمية لها وإنما هي متعلقات معانيها: أي إذا أفادت هذه الحروف معاني رجعت على هذه بنوع استلزام فلا تستعير الفعل إلا بعد استعارة مصدره فلا تقول نطقت الحال بدل دلت إلا بعد تقرير استعارة نطق الناطق لدلالة الحال على الوجه الذي عرفت من إدخال دلالة الحال في جنس نطق الناطق لقصد المبالغ في التشبيه وإلحاق إيضاح دلالة الحال للمعنى بإيضاح نطق الناطق له، وكذا إذا قلت الحال ناطقة بكذا بدل دالة على كذا وكذا، قوله عز سلطانه " فبشرهم بعذاب أليم " في الاستعارة التهكمية بدل فأنذرهم، وقول قوم شعيب " إنك لأنت الحليم الرشيد " بدل السفيه الغوي لقرائن أحوالهم ومما نحن فيه قولهم للشمس جونة لشدة ضوئها، والجون الأسود وللغراب أعور لحدة بصره وعلى هذا لا تستعير الحرف إلا بعد تقدير الاستعارة في متعلق معناه، فإذا أردت استعارة لعل لغير معناها قدرت الاستعارة في معنى الترجي، ثم استعملت هناك لعل مثل أن تبنى على أصول العدل ذاهبا على أن الصانع حكيم تعالى ونقدس أن يكون في أفعاله عبث بل كل ذلك حكمة وصواب مفعول لغرض صحيح ما خلق الإنسان إلا لغرض الإحسان، وحين ركب فيه الشهوة الحاملة على فعل ما يجب تركه والنفرة الحاملة على ترك ما يجب فعله وأودع عقله المضادة لحكميهما حتى تنازعته أيدي الدواعي والصوارف فوقفت به حيث الحيرة لا متقدم له عنه ولا متأخر تحمله الحيرة على ما لا يورثه إلا العناء إذا اتبع العقل وقع من النفس المشتهية النافرة في عناء، وإذا اتبع النفس وقع من العقل الناهي الآمر في عناء لا مخلص هناك مما أوقعه في ورطة تلك الحيرة سفها ولا عبثا " تعالى عن ذلك علوا كبيرا " وإنما فعل ذلك لغرض الإحسان وهو التكليف ليتمكن من اكتساب ما لا يحسن فعله في حقه ابتداء من التعظيم العظيم مع الدوام في ضمن التمتيع من أنواع المشتهيات بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال أحد مخلصة أن يشوبها منغص ما فيكتسبه إن شاء لا بالقسر، ولذلك وضع زمام الاختيار في يده ممكنا إياه من فعل الطاعة والمعصية مريدا منه أن يختار ما يثمر له تلك السعادة الأبدية مزيحا في ذلك جميع علله فتشبه حال المكلف الممكن من فعل الطاعة والمعصية مع الإرادة منه أن يطيع باختياره بحال المرتجى المخير بين أن يفعل وأن لا يفعل، ثم تستعير لجانب المشبه لعل جاعلا قرينة الاستعارة علم العالم بالذات الذي لا يخفى عليه خافية يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون قائلا خلق الله الخلق لعلهم يعبدون أو لعلهم يتقون، وعليه قول رب العزة علام الغيوب " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون " ونظائره، وإذا أردت استعارة لام الغرض قدرت الاستعارة في معنى الغرض ثم استعملت لام الغرض هناك مثل أن يكون عندك ترتب وجود أمر على أمر من غير أن يكون الثاني مطلوبا بالأول ويكون الأول غرضا فيه فتشبهه بترتب وجود بين أمرين مطلوب بالأول منهما الثاني ثم تستعير للترتب المشبه كلمة الترتيب المشبه به في ضمن قرينة مانعة عن حملها على ما هي موضوعة له فتقول إذا رأيت عاقلا قد أحسن على إنسان ثم آذاه ذلك أنه قد أحسن إليه ليؤذيه ومن ذلك قوله علت كلمته " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " وقد ظهر مما نحن فيه أن ربما في قوله " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " حقها أن تعد من باب الاستعارة التهكمية وأن تعد تبعية على قول سيبويه في رب وأصلية على قول الأخفش رحمهما الله وقد سبق ذكر

مفتاح العلوم · الصفحة ١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ١٦٨