تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما يتعلق بالنداء من حروفه وتفصيل الكلام في معانيها سبق التعرض لذلك في علم النحو فلا نتكلم فيه ولكن ههنا نوع من الكلام صورته صورة النداء وليس بنداء فننبه عليه وتلك الصورة هي قولهم أما أنا فافعل كذا أيها الرجل ونحن نفعل كذا أيها القوم واللهم اغفر لنا أيتها العصابة، يراد بهذا النوع من الكلام الاختصاص على معنى أنا أفعل كذا متخصصا بذلك من بين الرجال ونحن نفعل كذا متخصصين من بين الأقوام واللهم اغفر لنا مخصوصين من بين العصائب. واعلم أن الطلب كثيرا ما يخرج لا على مقتضى الظاهر وكذلك الخبر فيذكر أحدهما في موضع الآخر ولا يصار على ذلك إلا لتوخي نكت قلما يتفطن لها من لا يرجع على دربة في نوعنا هذا ولا يعض فيه بضرس قاطع والكلام بذلك متى صادف متممات البلاغة افتر لك عن السحر الحلال بما شئت ومن المتممات ما قد سبق لي أن نظم الكلام إذا استحسن من بليغ لا يمتنع أن لا يستحسن مثله من غير البليغ وإن اتحد المقام إذ لا شبهة في صحة اختلاف النظم مقبولا وغير مقبول عند اختلاف المقام فلا بد لحسن الكلام من انطباق له على ما لأجله يساق ومن صاحب له عراف بجهات الحسن لا يتخطاها وإلا لم يمتنع حمل الكلام منه على غيرها ويتعرى عن الحسن لذهاب كسوته ولا بد مع ذلك من إذن لافتنانات البلاغة مصوغة فما الآفة العظمى والبلية الكبرى لتلك الافتنانات إلا من أصمخة هي لغيرها مخلوقة إذا اتصل بذويها كلام لا ترى به الدر الثمين مسخه جهلهم مسخا يفوقه قيمة المشخلب، ولأمر ما تجد القرآن متفاوت القدر ارتفاعا وانحطاطا بين العلماء في نوعنا هذا وبين الجهلة والجهات المحسنة لاستعمال الخبر في موضع الطلب تكثر تارة تكون قصد التفاؤل بالوقوع كما إذا قيل ذلك في مقام الدعاء أعاذك الله من الشبهة وعصمك من الحيرة ووفقك للتقوى ليتفاءل بلفظ المضي على عدها من الأمور الحاصلة التي حقها الأخبار عنها بأفعال ماضية وأنه نوع مستحسن الاعتبار وقل لي إذا حسن اعتبار ما هو أبعد كإباء الكتاب في حق المخدرات لفظ حراستها وما هو أبعد وأبعد كإباء أهل الظرف إهداء السفرجل على الأحبة لاشتمال اسمه إذا سمي بالعربية على حروف سفرجل فما ظنك بالقريب وهل خلع هارون على كاتبه إذ سأله عن شيء فقال لا وأيد الله أمير المؤمنين إلا لأنه لم يسمع ما عليه الأغبياء فيما بينهم من لا أيدك الله بترك الواو، أو غير هارون حين خرج على ناحية لمطالعة عمارتها وقد تراءت له في طريقه أشجر من بعيد فسأل عنها كاتبا يصحبه فقال الكاتب شجرة الوفاق تفاديا عن لفظ الخلاف فكساه، أفترى ذلك لغير ما نحن فيه؟ أو هل حين غضب الداعي على شاعره أبى مقاتل الضرير حين افتتح:

موعد أحبابك للفرقة

غد أغضبه شيء غير معنى التفاؤل حتى قال له موعد أحبابك يا أعمى ولك المثل السوء وأمر بإخراجه، وهل تسمية العرب الفلاة مفازة والعطشان ناهلا واللديغ سليما وما شاكل ذلك إلا من باب التفاؤل، فالمفازة هي المنجاة والناهل هو الريان والسليم هو ذو السلامة وتارة لإظهار الحرص في وقوعه، فالطالب متى تبالغ حرصه فيما يطلب ربما انتقشت في الخيال صورته لكثرة ما يناجي به نفسه فيخيل إليه غير الحاصل حاصلا حتى إذا حكم الحس بخلافه غلطه تارة واستخرج له محملا أخرى،وعليه قول شيخ المعرة.

ما سرت إلا وطيف منك يصطحبني ... سرى أمامك وتأويبا على أثري

مفتاح العلوم · الصفحة ١٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ١٤٤