للنهي حرف واحد وهو لا الجازم في قولك لا تفعل والنهي محذو به حذو الأمر في أن أصل استعمال لا تفعل أن يكون على سبيل الاستعلاء بالشرط المذكور فإن صادف ذلك أفاد الوجوب وإلا أفاد طلب الترك فحسب، ثم إن استعمل على سبيل التضرع كقول المبتهل على الله لا تكلني على نفسي سمي دعاء، وإن استعمل في حق المساوي الرتبة لا على سبيل الاستعلاء سمي التماسا، وإن استعمل في حق المستأذن سمي إباحة، وإن استعمل في مقام تسخط الترك سمي تهديدا، والأمر والنهي حقهما الفور والتراخي يوقف على قرائن الأحوال لكونهما للطلب ولكون الطلب في استدعاء تعجيل المطلوب أظهر منه في عدم الاستدعاء له عند الإنصاف والنظر على حال المطلوب بأخويهما وهما الاستفهام والنداء منبه على ذلك صالح، ومما ينبه على ذلك تبادر الفهم إذا أمر المولى عبده بالقيام ثم أمره قبل أن يقوم بأن يضطجع وينام حتى المساء على أن المولى غير الأمر دون تقدير الجمع بينهما في الأمر وإرادة التراخي للقيام، وكذا استحسان العقلاء عند أمر المولى عبده بالقيام أو القعود أو عند نهيه إياه إذا لم يتبادر على ذلك ذمه. وأما الكلام في أن الأمر أصل في المرة أم في الاستمرار وأن النهي أصل في الاستمرار أم في المرة كما هو مذهب البعض فالوجه هو أن ينظر إن كان الطلب بهما راجعا على قطع الواقع كقولك في الأمر للساكن تحرك، وفي النهي للمتحرك لا تتحرك، فالأشبه المرة وإن كان الطلب بهما راجعا على اتصال الواقع كقولك في الأمر للمتحرك تحرك ولا تظنن هذا طلبا للحاصل فإن الطلب حال وقوعه يتوجه على الاستقبال كما نبهت عليه في صدر القانون ولا وجود في الاستقبال قبل صيرورته حالا، وقولك في النهي للمتحرك لا تسكن فالأشبه الاستمرار. واعلم أن هذه الأبواب الأربعة: التمني والاستفهام والأمر والنهي تشترك في الإعانة على تقدير الشرط بعدها، كقولك في التمني ليت لي مالا أنفقه على معنى إن أرزقه أنفقه وقولك في الاستفهام أين بيتك أزرك على معنى إن تعرفنيه أو إن أعرفه أزرك. وأما العرض: كقولك ألا تنزل تصب خيرا على معنى إن تنزل تصب خيرا فليس بابا على حدة وإنما هو من مولدات الاستفهام كما عرفت وقولك في الأمر أكرمني أكرمك قال تعالى " فهب لي من لدنك وليا يرثني " بالجزم. وأما قراءة الرفع فالأولى حملها على الاستئناف دون الوصف لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا. وقال تعالى " قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم " ومنهم من يضمر لام الأمر مع يقيموا إلا أن إضمار الجازم نظير إضمار الجار فانظر، وقولك في النهي لا تشتم يكن خيرا لك على معنى إن لا تشتم يكن خيرا لك، وتقدير الشرط لقرائن الأحوال غير ممتنع قال تعالى " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم " على تقدير إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم، وقال تعالى " فالله هو الولي " على تقدير إن أرادوا وليا بحق فالله هو الولي بالحق لا ولي سواه، وأمثال ذلك في القرآن كثيرة، وكذا تقدير الجزاء لها كذلك. قال تعالى " قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم " وترك الجزاء وهو " ألستم ظالمين " لذكر الظلم عقيبه في قوله " إن الله لا يهدي القوم الظالمين "
الباب الخامس
في النداء