يقول لكثرة ما ناجيت نفسي بك انتقشت في خيالي فأعدك بين يدي مغلطا للبصر بعلة الظلام إذا لم يدركك ليلا أمامي واعدك خلفي إذا لم يتيسر لي تغليطه حين لا يدركك بين يدي تارة لقصد الكناية كقول العبد لمولى إذا حول عنه الوجه ينظر المولى على ساعة ووجه حسنه إما نفس الكناية إن شئت، وإما الاحتراز عن صورة الأمر وإما هما، وتارة لحمل المخاطب على المذكور أبلغ حمل بألطف وجه كما إذا سمعت من لا تحب أن ينسب على الكذب يقول لك تأتيني غدا أو لا تأتيني، وتارة مناسبات أخر فتأملها ففيها كثرة، وما من آية من آي القرآن واردة على هذا الأسلوب إلا مدارها على شيء من هذه النكت. قال تعالى " وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله " في موضع لا تعبدوا " وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون إلا دماءكم " في موضع لا تسفكوا " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله " في موضع آمنوا وجاهدوا، فانظر. ومن هذا القبيل قول كل من يقول من البلغاء في الدعاء رحمه الله أو يرحمه، ومن الجهات المحسنة لإيراد الطلب في مقام الخبر إظهار معنى الرضا بوقوع الداخل تحت لفظ الطلب إظهارا على درجة كأن المرضى مطلوب. قال كثير:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة
فذكر لفظ الأمر بالإساءة ثم عطف عليه بلفظ أو الأمر بضد الإساءة تنبيها بذلك على أن ليس المراد بالأمر الإيجاب المانع عن الترك لكن المراد هو الإباحة التي تنافي تخير المخاطب بين أن يفعل وان لا يفعل فاعلا كل ذلك لتوخي إظهار مزيد الرضى بأي ما اختارت في حقه من الإساءة أو الإحسان أو توخي إظهار نفى أن يتفاوت جوابه بتفاوته وقوعا وعدم وقوع كما يقول صم أو لا تصم فإني لا أترك الصيام توهم من تخاطب انك تطلب منه أن يصوم وينظر في حالك أو لا يصوم وينظر ليتبين ثباتك على الصيام صام هو أم لم يصم، وعليه قوله تعالى " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم " وكذا قوله " أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم " وما شاكل من ذلك من لطائف الاعتبارات والأمر في باب التعجب من نحو أكرم بزيد على قول من يقول إنه بمعنى الخبر آخذا همزته من قبيل ذي كذا جاعلا الباء زائدة مثلها في كفى بالله منخرط في هذا السلك، ولهذا النوع أعني إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر أساليب متفننة إذ ما من مقتضى كلام ظاهري ألا ولهذا النوع مدخل فيه بجهة من جهات البلاغة على ما تنبه على ذلك منذ اعتنينا بشأن هذه الصناعة وترشد إليه تارة بالتصريح وتارات بالفحوى، ولكل من تلك الأساليب عرق في البلاغة يتشرب من أفانين سحرها ولا كأسلوب الحكيم فيها وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب كما قال:
أنت تشتكي عندي مزاولة القرى ... وقد رأت الضيفان ينحون منزلي
فقلت كأني ما سمعت كلامها ... هم الضيف جدي في قراهم وعجلي
أو السائل بغير ما يتطلب كما قال تعالى " يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج " قالوا في السؤال ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط، ثم يتزايد قليلا قليلا حتى يمتلئ ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ فأجيبوا بما ترى، وكما قال يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل " سألوا عن بيان ما ينفقون فأجيبوا ببيان المصرف، ينزل سؤال السائل منزلة سؤال غير سؤاله لتوخي التنبيه له بألطف وجه على تعديه عن موضع سؤال هو أليق بحاله أن يسأل عنه أو أهم له إذا تأمل، وأن هذا الأسلوب الحكيم لربما صادف المقام فحرك من نشاط السامع ما سلبه حكم الوقور وأبرزه في معرض المسحور، وهل ألان شكيمة الحجاج لذلك الخارجي وسل سخيمته حتى آثر أن يحسن على أن يسيء غير أن سحره بهذا الأسلوب إذ توعده الحجاج بالقيد في قوله لأحملنك على الأدهم فقال متغابيا مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب مبرزا وعيده في معرض الوعد متوصلا أن يريه بألطف وجه أن أمرا مثله في مسند الإمرة المطاعة خليق بأن يصفد لا أن يصفد أن يعد لا أن يوعد.