تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للنظر على ظاهر اللفظ، والأصل التذكير لاقتضاء المقام معنى شيء من الأشياء. وثالثها مناسبة المستثنى منه للمستثنى في جنسه ووصفه، وأعني بصفته كونه فاعلا أو مفعولا أو ذا حال أو حالا أو ما يرى كيف يقدر المستثنى منه في نحو ما جاءني إلا زيد مناسبا له في الجنس والوصف الذي ذكرت نحو ما جاءني أحد إلا زيد وفي ما رأيت إلا نحو ما رأيت أحدا إلا وفي ما جاء زيد إلا راكبا نحو ما جاء زيد كائنا على حال من الأحوال إلا راكبا ، وهذه المستلزمات توجب جميع تلك الأحكام، بيان ذلك أنك إذا قلت ما ضرب إلاعمرا لزم أن يقدر قبل إلا مستثنى منه ليصح الإخراج منه ولزم أن يقدر عاما لعدم المخصص ولزم أن يقدر مناسبا للمستثنى الذي هو عمرو في جنسه ووصفه، وحينئذ يمتنع أن يكون صورة الكلام إلا هكذا ما ضرب زيد أحدا إلا عمرا واستلزم هذا الكلام قصر الفاعل على عمرو المفعول ضروري، وكذا إذا قلت ما ضرب إلا زيد، وإذا قلت ما ضرب عمرا إلا زيد لزم تقدير مستثنى منه من جنس المستثنى وبوصف العموم وبوصف المستثنى وحينئذ يكون صورة الكلام هكذا ما ضرب عمرا أحد إلا زيد،ويلزم ضرورة قصر المفعول على زيد الفاعل، وإذا قلت ما كسوت إلا جبة كان التقدير ما كسوت ملبسا إلا جبة فيكون زيد مقصورا على الجبة لا يتعها على ملبس آخر، وإذا قلت ما كسوت جبة إلا كان التقدير ما كسوت جبة أحدا إلا فتكون الجبة مقصورة على زيد لا تتعداه على من عداه وإذا قلت ما جاء راكبا إلا زيد كان التقدير ما جاء راكبا أحد إلا زيد، وإذا قلت ما جاء زيد إلا راكبا كان التقدير ما جاء زيد كائنا على حال من الأحوال إلا راكبا ، وإذا قلت ما اخترت رفيقا إلا منكم كان التقدير ما اخترت رفيقا من جماعة من الجماعات إلا منكم، وإذا قلت ما اخترت منكم إلا رفيقا كان التقدير ما اخترت منكم أحدا متصفا بأي وصف كان إلا رفيقا، وكذا إذا قلت ما اخترت إلا رفيقا منكم بدل أن تقول ما اخترت إلا منكم رفيقا لم يعر عن فرق، وهذا يطلعك على الفرق بين ما قال الشاعر:

لو خير المنبر فرسانه ... ما اختار إلا منكم فارسا

وبين ما إذا قلت ما اختار إلا فارسا منكم. وإذا عرفت هذا في النفي والاستثناء فاعرفه بعينه في إنما لا تصنع شيئا غير ما أذكره لك وامض في الحكم غير مدافع، نزل القيد الأخير من الكلام الواقع بعد إنما منزلة المستثنى فقدر نحو: إنما يضرب زيد تقدير ما يضرب إلا زيد ونحو إنما يضرب زيد عمرا يوم الجمعة تقدير ما يضرب زيد عمرا إلا يوم الجمعة، ونحو إنما يضرب زيد عمرا يوم الجمعة في السوق تقدير ما يضرب زيد عمرا يوم الجمعة إلا في السوق، وكذلك إذا قلت: إنما زيد يضرب فقدره تقدير ما زيد إلا يضرب ولا تجوز معه من التقديم والتأخير ما جوزته مع ما وإلا، ولا تقسه في ذلك عليه فذاك أصل في باب القصر، وهذا كالفرع عليه، والتقديم والتأخير هناك غير ملبس وهنا مؤد على الإلباس، وكذلك قدر إنما هذا لك تقدير ما هذا إلا لك وإنما لك هذا تقدير مالك إلا هذا حتى إذا أردت الجمع إنما وطريق العطف فقل إنما هذا لك لا لغيرك وإنما لك هذا لاذاك إنما يأخذ زيد لا عمرو وإنما زيد يأخذ لا يعطي، ومن هذا يعثر على الفرق بين " إنما يخشى الله من عباده العلماء " وبين إنما يخشى العلماء من عباده الله بتقديم المرفوع على المنصوب فالأول يقتضي انحصار خشية الله على العلماء، والثاني يقتضي انحصار خشية العلماء على الله. واعلم أن حكم غير حكم إلا في إفادة القصرين وامتناع مجامعة لا العاطفة تقول ما جاءني غير زيد إما إفرادا لمن يقول جاء زيد مع آخر، وإما قلبا لمن يقول ما جاء زيد وإنما جاء مكانه إنسان آخر ولا تقول ما جاءني غير زيد لا عمرو.

مفتاح العلوم · الصفحة ١٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ١٣٤