لم يصل جربت بالعطف على غرضت بناء على سؤال ينساق إليه معنى البيت الأول وهو لم تقول هذا ويحك وما الذي اقتضاك أن تطوي عن الحياة على هذه الغاية كشحك، وكذلك قوله عز قائلا " أولئك على هدى من ربهم " جاء مفصولا عما قبله بطريق الاستئناف كأنه قيل ما للمتقين الجامعين بين الإيمان بالغيب في ضمن إقامة الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله تعالى وبين الإيمان بالكتب المنزلة في ضمن الإيقان بالآخرة اختصوا بهدى لا يكتنه كنهه ولا يقادر قدره مقولا في حقهم هدى للمتقين الذين والذين بتنكير هدى. فأجيب بأن أولئك الموصوفين غير مستبعد ولا مستبدع أن يفوزوا دون من عداهم بالهدى عاجلا وبالفلاح آجلا، ولك أن تقدر تمام الكلام هو المتقين وتقدر السؤال، ويستأنف الذين يؤمنون بالغيب على ساقه الكلام وأنه أدخل في البلاغة لكون الاستئناف على هذا الوجه منطويا على بيان الموجب لاختصاصهم بما اختصوا به على نحو ما تقول أحسنت على زيد صديقك القديم أهل منك لما فعلت، ولك أن تخرج الآية عما نحن بصدده بأن يجعل الموصول الأول من توابع المتقين إما مجرورا بالوصف أو منصوبا بالاختصاص وتجعل الموصول الثاني مبتدأ وأولئك خبره مرادا به التعريض لمن يؤمنوا من أهل الكتاب وستعرف التعريض جاعلا الجملة برأسها من مستتبعا ت هدى للمتقين من هذه الوجوه لاستئناف الذين يؤمنون بالغيب لجهات فتأملها، وكذلك قوله عز من وسوس لكونه تفسيرا له وتبيينا، ومن أمثلة التقرير والتأكيد قوله تعالى " الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين " لم يعطف لا ريب فيه على ذلك الكتاب حين كان وزانه في الآية وزان نفسه في قولك جاءني الخليفة نفسه أو وزان بيننا في قولك هو الحق بيننا، يدلك على ذلك أنه حين بولغ في وصف الكتاب ببلوغه الدرجة القصيا من الكمال والوفور في شأنه تلك المبالغة حيث جعل المبتدأ لفظة ذلك وأدخل على الخبر حرف التعريف بشهادة الأصول كما سبقت كان عند السامع قبل أن يتأمل مظنة في سلك ما قد يرمى به على سبيل الجزاف من غير تحقق وإيقان فأتبعه لا ريب فيه نفيا لذلك، وقد أصيب به المحز اتباع نفسه الخليفة إزالة لما عسى يتوهم السامع أنك في قولك جاءني الخليفة متجوز أوساه وتقرير كونه حالا مؤكدة ظاهر، وكذلك فصل هدى للمتقين لمعنى التقرير فيه للذي قبله، لأن قوله " ذلك الكتاب فيه " مسوق لوصف التنزيل بكمال كونه هاديا وقوله " هدى للمتقين " تقديره كما لا يخفى هو هدى وأن معناه نفسه هداية محضة بالغة درجة لا يكتنه كنهها، وأنه في التأكيد والتقرير لمعنى أنه كامل في الهداية كما ترى.
مفتاح العلوم · الصفحة ١١٨
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ١١٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي