تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يعطف لهم إلف خيفة أن يظن العطف على أن إخوتكم قريش فيفسد معنى البيت ولك أن تقول جاء على طريق الاستئناف قوله لهم إلف وليس إلاف وذلك أنه حين أبدى إنكار زعمهم عليهم بفحوى الحال فكان مما يحرك السامعين أن يسألوا لم تنكر فصل قوله لهم إلف عما قبله ليقع جوابا للسؤال الذي هو مقتضى الحال، ومن أمثلة القطع للوجوب قوله عز من قائل " وإذا خلوا على شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم " لم يعطف الله يستهزئ بهم للمانع عن العطف لكان المعطوف عليه إما جملة قالوا وإما جملة أنا معكم إنما نحن مستهزءون لكن لو عطف على إنما نحن مستهزءون لشاركه في حكمه وهو كونه من قولهم وليس هو بمراد ولو عطف على قالوا لشاركه في اختصاصه بالظرف المقدم وهو إذا خلوا على شياطينهم لما عرفت في فصل التقديم والتأخير وليس هو بمراد فإن استهزاء الله بهم وهو أن خذلهم فخلاهم وما سولت لهم أنفسهم مستدرجا إياهم من حيث لا يشعرون متصل في شأنهم لا ينقطع بكل حال خلوا على شياطينهم أم لم يخلوا إليهم، وكذا قوله تعالى " وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون " قطع ألا إنهم لئلا يستلزم عطفه على إنما نحن مصلحون كونه مشاركا له في أنه من قولهم أو عطفه على قالوا كونه مختصا بالظرف اختصاص قالوا به لتقدمه عليه وهو إذا قيل لهم لا تفسدوا فإنهم مفسدون في جميع الأحيان سواء قيل لهم لا تفسدوا أو لم يقل، وكذلك قوله " وإذا قيل لهم آمنوا كما أمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء " قطع ألا إنهم لمثل ما تقدم في الآية السابقة، ولك أن تحمل ترك العطف في الله يستهزئ بهم على الاستئناف من حيث أن حكاية المنافقين في الذي قبله لما كانت تحرك السامعين أن يسألوا ما مصير أمرهم وعقبى حالهم وكيف معاملة الله إياهم لم يكن من البلاغة أن يعرى الكلام عن الجواب فلزم المصير على الاستئناف وأن نقول في ألا إنهم هم المفسدون ترك العطف فيه للاستئناف أيضا ليطابق مقتضى الحال وذلك أن ادعاءهم الصلاح لأنفسهم على ما ادعوه مع توغلهم في الإفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكم الله عليهم فكان وروده بدون الواو هو المطابق كما ترى وكذا في ألا إنهم هم السفهاء ومن أمثلة الاستئناف قوله:

زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي

لم يعطف صدقوا على زعم العواذل للاستئناف وقد أصاب المحز وذلك أنه حين أبدى الشكاية عن جماعات العذال بقوله زعم العواذل أنني في غمرة فكان مما يحرك السامع عادة ليسأل هل صدقوا في ذلك أم كذبوا صار هذا السؤال مقتضى الحال فبنى عليه تاركا للعطف على ما قبله إيراد الجواب عقيب السؤال، وكذلك قوله:

زعم العواذل أن ناقة جندب ... بجنوب خبت عريت وأجمت

كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بالقادسية قلن لج وذلت

فصل كذب العواذل فلم بعطفه ليقع جوابا لسؤال اقتضاه الحال عند شكواه عن النساء العاذلات بقوله زعم العواذل أنه كان كيت وكيت وهو هل كذب العواذل في ذلك أم صدقن وكذلك قوله:

أبكي على قتل العدان فإنهم ... طالت إقامتهم ببطن برام

كانوا على الأعداء نار محرق ... ولقومهم حرما من الإحرام

قطع كانوا للاستئناف لأنه حين أمرها بالبكاء كأنه توهمها قالت ولم أبكيهم أو كيف أبكيهم صفهم لي كيف كانوا فقال مجيبا كانوا على الأعداء، وكذلك قوله:

عرفت المنزل الخالي ... عفا من بعد أحوال

عفاه كل حنان ... عسوف الوبل هطال

فصل عفاه كل حنان للاستئناف لأنه حين قال عفا من بعد أحوال كان مظنه أن يقال ماذا عفاه وكذلك قوله:

وما عفت الرياح له محلا ... عفاه من حدا بهم وساقا

حين قال في محل معفو ما عفته الرياح كان موضع سؤال وهو فما إذا وكذلك قوله:

وقد غرضت من الدنيا فهل زمني ... معط حياتي لغر بعد ما غرضا

جربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ود امرئ غرضا

مفتاح العلوم · الصفحة ١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفتاح العلومص ١١٧