وأما بيان أن ما قبله مسوق لما ذكر فما ترى من النظم الشاهد له حرازه قصب السبق في شأنه وهو ذلك الكتاب، ثم من تعقيبه بما ينادي على صدق الشاهد ذلك النداء البليغ وهو لا ريب فيه وأنك لتعلم أن شأن الكتب السماوية الهداية لا غير وبحسبها يتفاوت شأنهن في درجات الكمال وكذلك قوله " إن الذين كفرا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة " فصل قوله لا يؤمنون لما كان مقررا لما أفاد قوله " سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم " من ترك إجابتهم على الإيمان، وكذلك فصل قوله " ختم الله على قلوبهم " لما كان بمثابة لا يؤمنون من جهة أخرى وهي أن عدم التفاوت بين الإنذار لما لم يصح إلا في حق من ليس له قلب يخلص إليه حق وسمع يدرك به حجة وبصر يثبت به عبرة وقع قوله " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة " مقررا كما ترى وكذلك قوله أنا معكم إنما نحن مستهزءون لما كان المراد بأنا معكم هو إنا معكم قلوبا وكان معناه إنا نوهم أصحاب محمد الإيمان وقع قوله إنما نحن مستهزءون مقررا ولك أن تحمله على الاستئناف لانصباب أنا معكم وهو قول المنافقين لشياطينهم على أن يقول لهم شياطينهم فما بالكم أن صح أنكم معنا توافقون أصحاب محمد، وكذلك قوله " ما هذا بشرا هذا إلا ملك كريم " فصل إن هذا لكونه مؤكدا للأول في نفي البشرية ولك أن تقول الذي عليه العرف متى قيل في حق إنسان ما هذا بشرا ما هو بآدمي في حال التعظيم له والتعجب مما يشاهد منه من حسن الخلق والخلق هو أن يفهم منه أنه ملك فوقع قوله " إن هذا إلا ملك " تأكيدا للملكية ففصل، وكذلك قوله " كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا " الثاني مقرر للأول، ومن أمثلة الانقطاع للاختلاف خبرا وطلبا قوله:
وقال رائدهم أرسو نزاولها ... فكل حتف امرئ يجري بمقدار
وقوله:
ملكته حبلى ولكنه ... ألقاه من زهد على غاربي
وقال إني في الهوى كاذب ... انتقم الله من الكاذب