على قوله أيها المجرمون " متقيد بهذا الخطاب لكونه تفصيلا لما أجمله " ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون " وأن التقدير إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر ثم جاء في التفسير أن قوله هذا إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون يقال لهم حين يسار بهم على الجنة بتنزيل ما هو للكون منزلة الكائن، فانظر بعد تحرير معنى الآية وهو أن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر تئول حالهم على أسعد حال كيف اشتمل المقام فليمتازوا عنكم على الجنة وأما كونه مشركا بين المعطوف والمعطوف عليه في الذي نحن بصدده في جهات تجمعهما فغير خاف ونحو قوله تعالى " فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين يا موسى أنه أنا الله العزيز الحكيم وألق عصاك " فإن الكلام مشتمل على تضمين الطلب معنى الخبر، وذلك أن قوله: وألق عصاك معطوف على قوله أن بورك. المعنى فلما جاءها قيل بورك وقيل ألق عصاك لما عرفت في علم النحو أن أن هذه لا تأتي إلا بعد فعل في معنى القول وإذا قيل كتبت إليه أن ارجع وناداني أن قم كان بمنزلة قلت له ارجع وقال لي قم، وأما قوله تعالى " وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات " بعد قوله " أعدت للكافرين " فيعد معطوفا على فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة، وعندي أنه معطوف على قل مرادا قبل " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم " لكون إرادة القول بواسطة انصباب الكلام على معناه غير عزيزة في القرآن، من ذلك " وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا " أي وقلنا أو قائلين كلوا، ومن ذلك " وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشر عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا " أي وقلنا أنت يا موسى كلوا واشربوا، ومن ذلك " وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا " أي وقلنا أو قائلين خذوا، ومن ذلك " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا " أي وقلنا اتخذوا، ومن ذلك " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا " أي يقولان ربنا وعليه قراءة عبد الله، ومن ذلك " ووصى إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني " على قول أصحابنا البصريين " ومن ذلك " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا " أي ويقولون ذوقوا ومن ذلك " براءة من الله ورسوله على الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا " أي فقولوا لهم سيحوا وأمثال ذلك أكثر من أن يحصيها ههنا وكذلك عطف قوله " وبشر الصابرين إذا أصابتهم مصيبة " على قل مرادا قبل " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة " وكذا عطف وبشر المؤمنين في صورة الصف عندي على قل مرادا قبل " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم " وذهب صاحب الكشاف على أنه معطوف على تؤمنون قبله لكونه في معنى آمنوا فتأمل جميع ذلك وكن الحاكم دوني. أو أن تتفق الجملتان خبرا والمقام على حال إشراك بينهما في جوامع ثم كلما كانت الشركة في أكثر وأظهر كان الوصل بالقبول أجدر. ولنختم الكلام في تفصيل الحالات المقتضية للقطع والاستئناف والإبدال والإيضاح والتقريب والانقطاع والتوسط بين بين بهذا القمر. ولذكر لك أمثلة لتجذب بضبعك إن عسى اعترضتك مداحض إذا أخذت تسلك الطرقات، من أمثلة القطع للاحتياط قوله:
وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلا أراها في الضلال تهيم
لم يعطف أراها كي لا يحسب السامع العطف على أبغي دون تظن ويعد أراها في الضلال تهيم من مظنونات سلمى في حق الشاعر وليس هو بمراد إنما المراد أنه حكم الشاعر عليها بذاك وليس بمستبعد لانصباب قوله وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلا، على إيراد فما قولك في ظنها ذلك أن يكون قد قطع أراها ليقع جوابا لهذا السؤال على سبيل الاستئناف وإياك أن ترى الفصل لأجل الوزن فما هو هناك وقوله:
زعمتم أن إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس إلاف