إنكارهم لها، ثمَّ إنَّها تشحنُ شبابَها وتيسِّر لها استعمالَهم في البطشِ بكم، وتزيدُ مِن موجِباتِ تعصُّبِهم، وحيفِهم في التعاملِ معكم، وصدودِهم عن تقبُّلِ ما عندكم، وتفهُّمِ منطلقاتكم، وغير ذلك مما تَرونَه واقعًا. وإحسانُ التعاملِ الإعلاميِّ معَهم؛ يحملُ قادتَها على حسابِ آثارِ أيِّ تصرُّفٍ مع مخالفي سياساتِهم من الجماعات؛ مِن آثارِه على العامةِ، وعلى صفِّ الحركة نفسِه، ويمنعُهم هذا من التمادي في الظلمِ وسفكِ الدماء، والمبالغةِ في التضييقِ عليكم، ومَن لم يردعْه وازعُ الشَّرعِ وأمرُ اللهِ ونهيُه، ردعه طلبُ المصلحةِ لنفسِه وحزبِه إن كان عاقلاً.
وأما العدوُّ؛ فإنَّه لا يرضى بحماس على عِظَم تنازلاتِها، ولم يقبلْها إلا واقِعًا فرَضَ نفسَه؛ فاستدرجها إلى الورطةِ التي هي فيها اليوم، ولو ملَك إسقاطَها وإحلالَ غيرِها ممَّن هو أطوع لفعل؛ ذلك أنَّ غيرَها القادِرَ على شغلِ مكانِها شرٌّ مِنها؛ وأعظمُ عداءً للدعوةِ السلفيةِ، بل هو عدوٌّ للمشروعِ الإسلاميِّ كلِّه؛ هذا فضلاً عما سيصيبُ الناسَ به سقوطُ المشروعِ الإسلاميِّ وفشلُه مِن رجوعٍ إلى غيرِه! والواجبُ حسنُ إعدادِ صفِّكم لحفظِ المشروعِ الإسلاميِّ وتصحيح مسارِه [ ... ].
وهذا موجبٌ لمزيدٍ من عنايةِ إخواننا السلفيين بتصحيح أحوالِهم، وعدمِ استصغارِهم لأيِّ خطأٍ أو خللٍ؛ فإنَّ صغارَ الأخطاءِ تؤولُ غالبًا إلى انحرافاتٍ كبار، وهو موجبٌ لتقديمِهم لفقهِ المآلاتِ والعنايةِ به أشدَّ العِنايةِ، ولاتهامِ النفسِ مِرارًا قبل الإقدامِ على أيِّ حكمٍ، أو اعتمادِ أيِّ سياسةٍ في معاملةِ ظالمٍ مسلمٍ أو كافرٍ؛ حذر أن يكون لوقعِ ظلمِه أثرٌ في ترجيحِ ذلك الاختيارِ مِن حيث لم نشعرْ.
أقول: إنَّ إنكارَ المخالفاتِ التي تقع مِن حماس أو مِن السلفيين أو مِن أيِّ مخطئٍ؛ ممكنٌ بغير مواجهةٍ مباشرةٍ؛ بتقريرِ ما يمكن من الحق إن تعذر تقريرُه تامًّا، وبتقريرِه مطلقًا مِن مقابلتِه بالباطلِ وتعيينِ أهلِه؛ فإنَّه لو تقرَّر في نفسِ المرءِ؛ تقرَّر -لزومًا- بطلانُ ضدِّه، وكذلك بذكرِ الباطلِ وذمِّه شرعًا دون تعيينِ صاحبِه، وإذا وجب التعيينُ في مواطن؛ فبالاقتصادِ فيه، وعدمِ الرجوعِ إليهِ إلا عندَ مناسبةٍ وبقدر الحاجة، وبتجنُّبِ ما يُمكنُ تجنُّبُه مِن الأوصافِ والأحكام، وبتقديمِ سلامةِ المعنى الشرعيِّ على التمسُّكِ باسمِه الاصطلاحيِّ عندَ التعارضِ؛ فإنَّ حفظَ الحقائقِ هو المقصودُ الأصليُّ للشارعِ، وحفظُ الاصطلاحاتِ مقصودٌ تكميلاً وتتميمًا، ولا يشرع حفظ المتمم إذا عاد على أصلِه بالإبطالِ والنقصِ. وتنكر المخالفات كذلك بغير ما ذُكر من وسائل الإنكارِ وتقرير الحقِّ التي تحقِّقُ المقصودَ من الإنكار، ولا تقلبُ الإنكارَ نفسَه منكرًا أعظم، والذي يرجِّحُ هذه أو تلك من الوسائل: النظر الاجتهاديُّ في كلِّ متعلَّقاتِ ما أريدَ إنكارُه.