نفس إقامتِها، أو يكونَ علته التغيُّر الجذري في سياساتِ العدوِّ الداخليةِ والخارجيةِ، أو ما حصل مِن خياناتٍ، أو يكون غير ذلك، أو مركبة من بعض هذا وذاك، وأنتَ إذا عرفتَ أنَّ كلَّ عملٍ لا يَخلو من مصلحةٍ ومفسدةٍ؛ عرفتَ أنَّ كلَّ عملٍ يتضمُّنُ بعضَ التسبُّبِ الذي قد يؤثِّرُ، وقد يقاومُه مِن أضدادِه ما هو أقوى، وأنَّ النظرَ إلى تأثيرِ العملِ مجرَّدًا عن وجودِه في الواقعِ وما يحتفُّ به ويأتي بعدَه مِن أمور؛ هو نظرٌ قاصرٌ لا يُعوَّلُ عليه في إصلاحِ ما كان، ولا في الاعتبارِ لما هو كائن، وهذا حديثُ مقامٍ آخر إن شاء الله تعالى.
أعود إلى المسألةِ قائلاً: ليست مراعاةُ ما ذكرت من المداهنةِ في شيءٍ، بل هي مداراةٌ مشروعةٌ دلَّت عليها أصولُ فقهِ الشريعةِ، وحوادثُ عديدةٌ في سُنَّةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، كحديثِ عائشةَ في الصحيحين (لولا حدثان قومِك بالكفرِ لفعلتُ) أي لردَّ -صلى الله عليه وسلم- الكعبةَ على قواعِدِ إبراهيمَ عليه السلام، وكترْكِه -عليه الصلاة والسلام- قتلَ المنافقِ، قال: (لا يتحدَّث الناسُ أنَّ محمَّدًا يقتلُ أصحابَه) رواه الشيخان مِن حديثِ جابر رضي الله عنه، ومِنه ما في الصحيحين عن أنس من تركِه -صلى الله عليه وسلم- الأعرابيَّ البائلَ في مسجدِه حتى بالَ ثم علَّمَه، وغير ذلك كثيرٌ لا يُحصى. وقد بوَّبَ البخاريُّ في صحيحِه: (بابُ مَن خصَّ بالعِلمِ قومًا دونَ قومٍ؛ كراهيةَ أن لا يَفهمُوا)، وأخرج فيهِ عن عليٍّ -رضي اللهُ عَنه- موقوفًا: (حدِّثُوا الناسَ بما يعرفون؛ أتُحبُّون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه؟) وفي البابِ حديثُ أنسٍ -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لمعاذٍ: (مَن لقيَ اللهَ لا يشركُ بِهِ شيئًا دخل الجنةَ) قال: ألا أبشِّر الناسَ؟ قال: (لا؛ إنِّي أخافُ أن يتَّكِلُوا)، ومِن هذا البابِ -والله أعلم- جوازُ مهادنةِ الكفَّارِ لمصلحةِ المسلمينَ مع كونِ تركِ جهادِهم مفسدةً، وجوازُ عقدِ الذمةِ وما يتضمَّنه مِن إقرارِ الكفارِ على العَيشِ مع كفرِهم؛ إضعافًا لهِمَمِ الكفَّارِ في القتالِ، وتمكينًا لهم من معرفةِ الإسلامِ بمعايشةِ المسلمينَ ولغير ذلك من المصالحِ، مع كونِ عيشِ الكافرِ مفسدةً.
والمقصودُ أنَّ على أهلِ النظرِ مِنكم أن يراعوا ذلك في أقوالِهم وأفعالِهم، وفي العِلميَّاتِ كذلك، وأن لا يقالَ ما يُعتَقَدُ حقًّا، أو يُفعَلَ ما يُظَنُّ صوابًا؛ إلا بعدَ النظرِ في مآلاتِه وآثارِه وظنِّ رُجحانِ صالِحها على فاسدِها، وإلا كان الحقُّ والصوابُ في تركِه إلى حينِ إمكانِه مع رجحانِه، وأعظمُ هذه المآلاتِ والآثارِ التي ينبغي النظرُ فيها: أثرُه على عامَّةِ الناسِ وتقبُّلهم إذًا لأصولِ الدعوةِ ومهمَّاتِها، وكونُه مآلاً ليس بحاجزٍ يمنعُ قبولَهم لها، لما قدَّمت.
ومِن أهمِّ ما يتأكُّدُ مراعاةُ ذلك فيه: سياستُكم الإعلاميةُ؛ الداخليةُ، والموجَّهةُ إلى العامةِ، وإلى المخالفين وحماس رأسُهم، وإلى العدوِّ المتربِّصِ بالمسلمين جميعًا؛ فإنَّ الجهاتِ الأربعَ تتأثُّرُ بطريقةِ خِطابِكم بأثرٍ محمودٍ أو مكروه؛ فقد يكون أسلوبُ المواجهةِ المباشرةِ والإنكارِ الصريحِ