تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نالك مِنهم أذاه، وعفوتَ عن ذي الجُرمِ مِنهم جُرمَه، وأغضيتَ عَن كثيرٍ مِمَّن لو جفوتَ به وأغلظتَ عليه لتركك؛ ففارقك ولم يتَّبعك، ولا ما بُعِثتَ به مِن الرحمةِ، ولكنَّ الله رحمَهم ورحمَك مَعَهم، فبرحمةٍ مِن الله لِنت لهم) اهـ، هذا وهم يعرفونَه -قبل بعثتِه- بالأمانةِ والصدقِ والعقلِ، وهو -صلى الله عليه وسلم- أفصحُ الناسِ لسانًا، وأتمُّهم بيانًا، وأنصعُهم حجةً، وأظهرُهم صوابًا، وهو مؤيَّدٌ في ذلك بالوحيِ؛ لكنَّ في النفوسِ فِطرةً ركزها اللهُ فيها وجبلها عليها؛ أنَّها تميلُ إلى المحسِنِ الرفيقِ، وفيها أهواء تضربُ على البصيرةِ غشاوةً أن تُدرِكَ الحقَّ، فكم حجة لم تصل إلى القلوبِ لتدثيرِها بالغلظةِ والجفاءِ، وكم شبهة تمكَّنَت وأهلكَتْ لتزيينِها باللينِ والسماحةِ والرِّفقِ، وهكذا نجدُه -صلى الله عليه وسلم- في سنَّتِه رفيقًا؛ يأخذُ الناسَ بالحكمةِ والعفوِ والإحسانِ، إلا لموجبِ شدةٍ عارضٍ.

فيجبُ الاهتمامُ بهذا ومحاربتُه، ووقايةُ شبابِكم الذين بين أيديكم، والشبابِ السلفيِّ عامةً منه؛ لمخالفةِ هذه المسالكِ للوضعِ الشرعيِّ، وحتى لا تزيدَ الدعوةَ نكارةً في أذهانِ الناسِ، وحتى لا يَفشوَ هذا النفَسُ الشديدُ؛ فينقلب -بما يطرأ من أحوال شديدةٍ ومِحَنٍ وظلمٍ - غُلُوًّا ظاهرًا؛ وهذا ما حصل مِرارًا في كثيرٍ مِن الساحاتِ، وكما قيل: ومعظمُ النارِ مِن مستصغرِ الشررِ.

ثُمَّ ما ينكرُه الناسُ على السلفيين وينفِّرُهم مِنهم؛ إما أن يكونَ مُنكرًا شرعًا؛ كغلظةِ بعضِهم في التعاملِ بلا داعٍ، وجرأتِهم -أعني البعضَ المذكور- على الشريعةِ وإصدارِ الأحكامِ على الناسِ، ومخالفتِهم الوسائلَ المشروعةَ في إنكارِ المنكراتِ، ونحو ذلك؛ فإنَّ إصلاحَه وإنكارَه واجبٌ بلا إشكالٍ؛ إنكارَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- على معاذ، والبراءةَ مِنه متعينةٌ على مَن علمَه؛ براءةَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مما فعل خالد.

ومنه ما هو مباحٌ في أصلِ الشرعِ، كاللباسِ الباكستانيِّ، واعتمار "طاقية الزرقاوي"، والتسمِّي ببعضِ الأسماءِ التي تدلُّ في أذهانِ جهلةِ الناسِ على معانٍ مُنكرةٍ؛ كالسلفيةِ والجهاديةِ.

ومنه ما هو في الأصلِ مشروعٌ؛ كتحريمِ بعضِ أحوالِ العامةِ وعاداتِهم، وكتكفيرِ بعضِ الأعيانِ ممن هو أهلٌ لذلك؛ فهاتان المرتبتان لا يسوغُ إطلاقُ الحكمِ الأصليِّ للمسائلِ فيهما إلا بعدَ اعتبارِ إنكارِ الناسِ لها وما يترتُّبُ عليه مِن الآثارِ، وهل يفَوِّتُ هذا قَبولَ الناسِ لما هو أولى أو ثباتَهم عليهِ ولمَّا يتمكَّن مِن قلوبِهم؟ فإن كان كذلك؛ وجب المصيرُ إلى تحصيلِ ما هو أعلى وأولى ولو بفواتِ الأدنى، وهذا بابٌ فقهه جليلٌ جدًّا، ونافعٌ جِدًّا، وأعظمُ ما يضلُّ الناس به فيه؛ نظرُهم إلى جهةٍ مِنَ المصالحِ دونَ جهةٍ، وعدمُ استيفائهم كلَّ ما يترتَّبُ على الأمرِ مِن مصالحَ ومفاسدَ عِندَ الموازنةِ، ومما يضلون به فيه كذلك؛ الحكمُ السطحيُّ المبنيُّ على التحُّكمِ في تعيين عِلَلِ المصالحِ والمفاسدِ التي أنتجتْها، وجعلُ أصلِ العملِ علةً لذلك؛ كقولِ بعضِهم: إقامةُ الدولةِ الإسلاميةِ في العراقِ -أعاد الله تمكينَها- أنتج ما ظهر بعدَه مِن مفاسدَ، وهو تحكُّمٌ؛ فليس هذا بأولى مِن أن يكون علة ذلك -إذا أردنا إرجاع ذلك إلى المجاهدين! - بعض سياساتِ الدولةِ لا

الرسالة الغزية .. · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسالة الغزية ..ص ٥