تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويجبُ تذكيرُ أنفسِنا وإخوانِنا بتقوى اللهِ والتزامِ شرعِه في الأمرِ كلِّه؛ وبوجوبِ التجرُّدِ في طلبِ الحقِّ، والحذر مِن أن تؤثِّرَ النفسُ ونوازعُها في النظرِ الشرعيِّ؛ فإنَّ لها على المرءِ سلطانًا قلَّ مَن ينجو مِنه، والسعيدُ مَن وفَّقه الله إلى فقهِ نفسِه وحسنِ سياستِها؛ وهذا كلُّه واجبٌ في الأمرِ كلِّه، ويجبُ استصحابُه في معرفةِ الحقِّ، وفي الموقفِ ممن خالفَه، ومنهج النصحِ والإنكارِ معه.

ومن الغلوِّ في المسألةِ؛ ما نراه مِن بعضِ الناسِ مِن وصفِ المخالفين فيها بالخوارجِ، واستحلالِ دمائهم، والتحريض عليهم؛ والحطِّ مِن أقدارِ أهلِ الدعوةِ والجهادِ مِنهم؛ بل هؤلاء أولى مِن غيرِهم بأن يُحسَنَ الظنُّ فيهم، وتقالَ عثراتُهم، وهذا حقٌّ لكلِّ مسلمٍ لكنَّه لأهل العلمِ والدعوةِ والجهادِ آكد، ولا يتعارضُ مع بذلِ النصحِ الواجبِ لهم بالطرقِ المشروعةِ؛ بلينٍ أو شدةٍ كما يرى الناصحُ، وتنبيههم إلى مآلاتِ أقوالهم وآثارِ ظهورِها على دعوتِهم وعلى عمومِ المسلمين، وما عَنها مِن المفاسدِ، ووصفِهم بالأوصافِ التي يستحقونَها بعلمٍ وعدلٍ، وهذا لا يجوزُ أن يقدِمَ عليه آحاد الناس وجهلتُهم، وهو ممن يَنهى مخالفَه عَن مثلِه أقبحُ! إلا مَن رضي مِنهم أن يقولَ في آخرتِه: كنتُ أنهى عَن المنكرِ وآتيه! أعوذ بالله مِن ذلك، أم كان التكفيرُ دينًا يُرَدُّ إلى أهلِ العلمِ، ولم يكن التبديعُ، والإنكارُ في المسائلِ الكبارِ؛ دينًا يُرَدُّ كذلك إلى أهلِ العِلمِ، وتُتَّبعُ فيه طريقتُهم؟ ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.

وشرٌّ مِن هذا الآتي مناهيه؛ مَن يسعَى بين المسلمين بالبهتانِ والنميمةِ والفسادِ؛ زاعمًا أنَّه يُحارِبُ الغلوَّ، ويَمنعُ الفتنَ؛ بالافتراءِ على مخالفيه، وذمِّهم وإن أحسنوا، والبغيِ عليهم إذا أساؤوا، وبعَدِّه استفزازَه لهم نصحًا، وتعييرَه لهم تحذيرًا، وبهتانَه لهم إغلاظًا مشروعًا؛ فمَن وجد مِن هؤلاءِ في المنتدياتِ والمجالس والديوانيات؛ فلينصحْهم، وليَعظهم، وليُبيِّنْ لهم فسادَ مسالكهم شرعًا وعقلاً، وأنَّها تزيدُ مَرومَهم –إن صدقوا فيه- بُعدًا، وتضرم نارَ الفتَنِ في الساحاتِ؛ فإن استجابوا وكفُّوا فخيرٌ، وإلا فإنَّ تعزيرَهم مشروعٌ؛ بالإغلاظِ لهم، والتنكيلِ بهم، فمَن بَعُدَ رجوعُهم، وكان إفسادُهم متعدِّيًا؛ ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، واجعلْهم عبرةً أنْ يُقتدَى بهم، وهذا أرجحُ مِن تركِهم؛ فإنَّ موردَ إفسادِهم قاصرٌ على ما يفسدونَه بألسنتِهم، وما يسعون فيه مِن التحريشِ؛ ولا يَقدِرُون على شرٍّ وراءَ ذلك فيُتَّقى بالمداراةِ!؛ بل هم كما قيل:

قُبَيِّلةٌ؛ لا يَغدرونَ بذِمَّةٍ * ولا يَظلِمُونَ النَّاسَ حَبَّة خَرْدَلِ

الرسالة الغزية .. · الصفحة ٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسالة الغزية ..ص ٣٤