وإنَّما يَقَعُ المظلومُ في هذا لجَزَعِه وضعفِ صبرِه، أو لقلةِ عِلمِه وضعفِ رأيِه؛ فإنَّه قد يحسبُ [في الأصل: يحجب] أنَّ القتالَ ونحوه مِن الفِتَنِ يَدفعُ الظلمَ عَنه، ولا يَعلَمُ أنَّه يضاعِفُ الشرَّ؛ كما هو الواقع، وقد يكونُ جزعُه يمنَعُه مِن الصبرِ.
والله -سبحانه- وصف الأئمةَ بالصبر واليقين، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، وقال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
وذلك أنَّ المظلومَ وإن كان مأذونًا له في دفع الظلم عنه، بقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾، فذلك مشروطٌ بشرطين:
أحدهما: القدرةُ على ذلك.
والثاني: ألا يعتدي.
فإذا كان عاجزًا، أو كان الانتصارُ يفضي إلى عدوان زائد؛ لم يَجُزْ، وهذا هو أصل النهي عن الفتنةِ، فكان إنَّما إذا كان المنتصرُ عاجزًا، وانتصارُه فيه عدوانٌ؛ فهذا هذا.
ومع ذلك؛ فيَجِبُ الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكَرِ؛ بحسَبِ إظهارِ السنةِ والشريعةِ، والنهيُ عَن البدعةِ والضلالةِ؛ بحسب الإمكان، كما دلَّ على وجوبِ ذلك الكتابُ والسنةُ وإجماعُ الأمةِ) اهـ باختصار موضع.
**********
ومَن أخطأَ في هذا البابِ؛ فالواجبُ الإنكارُ عليه، ونصحُه بحسب ما تقتضيه حاله، ودلالتُه إلى خطأ ما بنى عليه قولَه؛ بالأجوبةِ الإجماليةِ؛ وبيانِ عِظَمِ هذه المسائلِ، وكلامِ العلماءِ فيها، وأنَّ ما تعرفُه العامَّةُ مِن علمٍ إجماليٍّ بالقواعدِ والأحكامِ الشرعيةِ لا يؤَهِّلُها لمثلِ ذلك الاجتهادِ، وبرَدِّهم إلى قولِه تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وما كان مِن هذا البابِ، ويُدَلُّ بالأجوبةِ التفصيليةِ؛ وضربِ الأمثالِ القريبةِ المُفهِمةِ؛ والاستدلالِ للمشتغلين بالعلمِ مِنهم بما يناسبُهم من الاستدلالاتِ.
وأما الإنكارُ في هذه المسائلِ بالاستهزاءِ ونحوه فلا يَجوزُ شرعًا، ويُخشَى على صاحبِه أن يدخل فيمن يصدُّ عَن سبيلِ اللهِ، وصاحبُه مفسدٌ وإن لم يشعر، ومَن لم يكن عندَه علمٌ وعدلٌ فإنَّه يَسعى لوأدِ الفِتَنِ بين المسلمين بما ينميها؛ فيبوء بإثمٍ هو ينهى عنه.