بنفسِه، أو كانَت فيه -راجحةً- من حيث ما يكونُ بسببِ مخالفتِه؛ كتركِ إنكارِ المنكراتِ العامَّةِ بالقوَّةِ المشروعةِ في الأصل (لا بتفجيرٍ ونحوه)، فالترك أرجحُ والحالُ هذه، وإن كان في نفسِه راجحًا لولا أنَّهم يتسلطون على المنكِرِ ودعوتِه بغير حقٍّ فيفوتُ ما هو أولى مِن إزالةِ ذلك المنكرِ، ومثلُه بعضُ صُوَرِ دفعِ ظلمِهم باللسانِ والسنانِ؛ فانتصارُ المظلومِ لنفسِه جائزٌ وقد يكونُ مشروعًا إذا كان فيه دفعٌ للظالمِ أو ردعٌ له، لكنَّه مشروطٌ بألاَّ يترتَّبَ عليه مفسدةٌ غالبةٌ على مفسدةِ الظِّلمِ؛ تقعُ على المظلومِ، أو الظالمِ نفسِه، أو على عمومِ المسلمين.
قال شيخ الإسلام ابنُ تيميةَ [في الاستقامة ص56 - 58]: (فهذا موضعٌ عظيمُ المنفعةِ في الدين والدنيا؛ فإنَّ الشيطانَ موكَّلٌ ببني آدم، وهو يَعرِضُ للجميعِ، ولا يَسلَمُ أحدٌ مِن مِثلِ هذه الأمور -دع ما سواها- مِن نَوعِ تقصير في مأمور أو فعلِ محظور؛ باجتهاد أو غير اجتهاد، وإن كان هو الحق.
وقال -سبحانه- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، فأمَرَه بالصبرِ، وأخبره أنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ، وأمره أن يستغفر لذنبه.
وَلا تَقَعُ فِتنةٌ إلا مِن تَرْكِ ما أمَرَ اللهُ به؛ فإنه -سبحانه- أَمَرَ بالحقِّ، وأمَرَ بالصبرِ؛ فالفتنةُ: إما مِن تركِ الحقِّ، وإما مِن تَركِ الصبرِ ... ).
ثمَّ قال: (وقد يكون مصيبًا فيما عرفه من الحقِّ فيما يتعلَّقُ بنفسِه، ولم يكن مصيبًا في معرفةِ حُكمِ اللهِ في غَيرِه؛ وذلك بأنْ يكونَ قد عَلِمَ الحَقَّ في أصلٍ يُختَلَفُ فيه؛ بسماعٍ وخَبَرٍ، أو بقياسٍ ونَظَرٍ، أو بمعرفةٍ وبَصَرٍ، ويَظُنُّ مع ذلك؛ أن ذلك الغيرَ التاركَ للإقرار بذلك الحقِّ؛ عاصٍ أو فاسقٌ أو كافرٌ، ولا يكون الأمْرُ كذلك؛ لأنَّ ذلك الغير يكونُ مُجتَهِدًا قد استفرغ وسعَه، ولا يقدرُ على معرفةِ الأوَّلِ؛ لعدمِ المقتضي، ووجودِ المانِعِ.
وأمورُ القلوبِ لها أسباب كثيرةٌ، ولا يَعرِفُ كلُّ أَحَدٍ حالَ غيرِه؛ مِن إيذاءٍ له بِقَولٍ أو فِعْلٍ؛ قد يَحسَبُ المؤذَى -إذا كان مظلومًا لا ريب فيه- أنَّ ذلك المؤذِي محضُ باغٍ عَلَيه، ويَحسَبُ أنَّه يَدفعُ ظلمَه بكلِّ مُمكنٍ، ويكونُ مخطِئًا في هذين الأصلين؛ إذ قد يكونُ المؤذِي متأولاً مُخطِئًا. وإن كان ظالما لا تأويل له؛ فلا يَحِلُّ دفعُ ظلمِه بما فيه فتنةٌ بين الأمَّةِ، وبما فيه شرٌّ أعظم مِن ظُلْمِه، بل يؤمَرُ المظلومُ هاهُنا بالصبرِ؛ فإنّ ذلك في حقِّه مِحنةٌ وفِتنةٌ.