وعودةً إلى المسألةِ أقول: وغير المجاهدين من العلماء قال بمثل قولهم أو زاد؛ فمن شاء فليأخذ ومن شاء فليدع، وليعدَّ لهذا جوابًا يعذر به، والله يهدي من يشاء.
ولا أعرف عالمًا أو منتسبًا إلى العلم؛ يعتبرُ التأويل في هذا البابِ، ولم يعتبرْ تأويلَ قادة حماس.
وأما الشيخ أبو محمد المقدسي فرج الله عنه، والشيخ أبو الوليد المقدسي حفظه الله ونصره بالحقِّ؛ فليسا ممن يجعل جنس التأويل عذرًا في التشريع والحكم لكونِه شِركًا.
**********
ودفعُ الكفرِ عن هؤلاء لا يقتضي تصحيحَ ولايتِهم شَرعًا وإيجابَ طاعتِهم؛ فإنَّ الولايةَ في الشرعِ تُستمَدُّ مِن حكمِ الحاكمِ (إمامًا أو قاضيًا أو غير ذلك) بالكتابِ والسنةِ، ولهذا جوَّزَ أهلُ العلمِ للحاكمِ إبطالَ ما حكمَ به سابقُه إن كان مخالفًا للنصِّ أو الإجماعِ الثابتِ لا إن كان اجتهادًا سائغًا، وسَقَطَت طاعةُ وليِّ الأمرِ في الواقعةِ إذا أمر فيها بما يخالِفُ الشرعَ؛ ذلك أن طاعتَه طاعةٌ لله إن حكم بكتابِه وأمر بمقتضاه؛ فإن ترك الحكمَ به مطلقًا -ولو لشبهةٍ ترفع المؤاخذةَ- سقطت طاعتُه وبطلت ولايتُه لتخلُّفِ مُستَمَدِّها الشرعيِّ، ومخالفتِها في أصلِها لأمرِ الله، قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فأشار -تعالى- بعدمِ تَكرار لفظ الطاعةِ في أولي الأمرِ إلى كونِها لا تستقلُّ بل هي تبعٌ لطاعةِ اللهِ ورسولِه صلى الله عليه وسلم؛ فأولو الأمرِ هم علماءُ الشريعةِ في إدراكِه، والعلماءُ والأمراءُ في العملِ به أمرًا ونهيا وحُكمًا، فتسقطُ الطاعةُ في الحادثةِ إذا خالفَ أمرُهم فيها أمرَ الله في كتابِه، وتسقطُ مطلقًا إن تركوا تطبيق أحكامِ الكتابِ ولم يعلنوا الالتزام به ولو متأولين، وعند مسلم من حديث أم الحصين -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أمِّر عليكم عبد مجدع يقودُكم بكتابِ اللهِ فاسمعوا وأطيعوا)، وأخرج البخاريُّ عَن معاويةَ -رضي الله عنه- أنَّه سمع النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إنَّ هذا الأمرَ في قريشٍ؛ لا يُعادِيهم أحدٌ إلا كبَّه اللهُ على وجهِهِ؛ مَا أقامُوا الدِّينَ)، مفسِّرًا المرادَ بالصلاةِ في حديثِ عوف بن مالك -رضي الله عنه- عن شرار الأئمةِ قالوا: أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، ونحو هذا من الأدلة التي تعلِّقُ السمعَ والطاعةَ والولايةَ على الحكمِ بكتابِ اللهِ، وهو -كذلك- مدلول قولِه تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. وفي البابِ غيرُ ذلك مِن الوجوه الشرعيةِ التي ليس هذا مقامُ حصرِها؛ وإنَّما المقصودُ أنَّ الولايةَ تسقطُ ولو بغيرِ الكفرِ.
لكن هذا لا يَمنعُ مِن موافقتِهم فيما يأمرون به إذا كان في الشرع مأمورًا؛ لكونِه أمرَ الله، وفيما ظهرَت فيه لأهلِ الشَّأنِ في الجماعاتِ مصلحةٌ راجحةٌ؛ إن كانَت في المأمورِ مِن حيث أثرُه