وقد حَدَثَ آخِرًا ما أحدث لَبسًا، وتمسَّك به بعضُ مَن ادَّعى مِن قبلُ تغيُّرَ قولِ مشايخِ المجاهدين في التكفيرِ، وظنَّ مِنه بعضُ الناسِ ذلك فتابعَهم، وضادَّهم قومٌ فنسبوا إلى مشايخِ قاعدةِ الجهادِ وقادتِه -لمَّا رأوهم لا يُكفِّرون- ما يخالفُ صريحَ قولِهم بشأنِ فلسطين وغزة، وجماعاتِها وأحداثِها، وما يخالفُ توجيهَهم لمَن يحرصُ مِن أهلِها على معرفةِ ما يوجِّهون إليه مِنَ السياساتِ. وإذا عُلِمَ عظيمُ تأثُّرِ ساحاتِ الجهادِ في بلادِ الشامِ بما يكونُ في الشبكةِ (لأمورٍ لا تُذكَرُ هنا)؛ عُلِمَ تأكُّدُ الحاجةِ إلى توجيهِ أولئك المشايخِ؛ من أهلِ العلم الشرعيِّ، والنظرِ الواقعيِّ؛ والخبرةِ العمليةِ.
فإن كان لمثلي نصح مشايخِ المجاهدين؛ فأنصحُ بتَكرارِ بيانِهم لقولِهم في مسألةِ غزةَ، وبيانِ ما جدَّ عِندَهم مِن رأيٍ وتوجيهٍ إلى مَن يهمُّه ذلك مِن أهلِها؛ ببيانٍ شافٍ رافعٍ للبسِ الكائنِ عندَ بعضِ الناس، وتوجيهٍ وافٍ بكلِّ ما يُمكنُ الكلامُ فيه صراحةً وإلا فإشارةً؛ مِن السياساتِ والتصرفاتِ السياسيةِ والعسكريةِ والإعلاميةِ؛ بالحضِّ على أمثلِ المستطاعِ؛ الذي يرونَه يحقِّقُ مصلحةَ العملِ الإسلاميِّ في فلسطين، ويَدفعُ عنه ما يمكن دفعُه بهم مِن الفسادِ؛ مِن ظهورِ العدوِّ وانكسارِ أهلِ الإسلامِ، ومِن كونِ بأسِ المسلمينَ بينَهم، ومِن جرأةِ بعضِهم على حرماتِ بعضٍ، ومِن تضييعِهم ما حُمِّلوه مِن الدينِ واتِّباعِهم سياساتِ أهلِ الجاهليةِ، ولو كان ما يَأمرونَ به دونَ الكمالِ الواجبِ الذي يَرونَه أمثلَ الأحوالِ! إذا لم يكن سبيلٌ وقدرةٌ على تحقيقِه. فالموازنةُ بين المصالحِ لا تكونَ بينها في وجودِها الذهنيِّ، بل في الوجود الخارجيِّ الذي لا تنفكُّ فيه عَن عوامل كثيرة قد تقلبه مرجوحًا؛ وتعذُّرُ الأعلى والأصلح والأحسن؛ يُرجِّحُ الصالحَ الحسَن ولو كان أدنى مِنه في نفسِه؛ لئلا يفوتَ كلاهما! وكذلك إمكانُه على وجهٍ يحصلُ معه فسادٌ خارجٌ عَنه، غالبٌ عليه؛ يرجِّحُ تركَه –بشرطِ غلبة الفسادِ- ولو كانَ مَن حصل بسببِه الفسادُ مخالفًا للشرعِ ولم يكن هذا الفسادُ مِن فعلِنا، وحقيقةُ هذا الاعتبار ما قدمناه من وجوبِ اعتبارِ كلِّ المصالح والمفاسدِ المتضمَّنةِ في الفعلِ حالاً، والمترتبةِ عليه مآلاً؛ وهذا وجهٌ آخر مِن وجوهِ الخطأِ في الموازنةِ والترجيحِ؛ وهو غفلةُ المجتهدِ عَن اعتبارِ أثرِ ما كان مخالفًا للشرعِ مِن الأفعالِ؛ بعلةِ أنَّ ما خالف الشرعَ فلا أثرَ له! وأنَّ الواجبَ زوالُه! وهذا التركيبُ غلطٌ؛ فالأثرُ المعتبرُ هنا كونيٌّ؛ وهو حاصلٌ بسببِه المشروعِ والممنوعِ! وبابُ النُّصحِ والتَّوجيهِ؛ مِمَّا يتأكَّدُ فيه مراعاةُ هذا؛ بدلالةِ المنصوحِ إلى أمثلِ ما يُظَنُّ أنَّه قد يستجيبُ له، فتحصيلُ بعضِ الخيرِ إن تعذَّرَ تحصيلُ تمامِه واجبٌ، وتقليلُ الشرِّ إن تعذَّر قطعُه واجبٌ؛ فبعضُ الشرِّ أهونُ مِن بعضٍ، ويُنظَر تفسير السعدي لقولِه تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾، والدرر السنية [13/ 237]، والله أعلم.