تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شرعيٌّ؛ فليس للإنسان أن يعاقبَ بمثلِه؛ كمن كذب عليك وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذبَ عليه وتزني بأهله؛ لأن الكذبَ والزنا حرامٌ لحقِّ الله.

وكذلك التكفيرُ حقٌّ لله؛ فلا يَكفرُ إلا مَن كفَّره الله ورسولُه، وأيضًا فإنَّ تكفيرَ الشخص المعيَّنِ وجوازَ قتلِه؛ موقوفٌ على أن تبلغَه الحجةُ النبوية التي يكفر مَن خالفها، وإلا فليس كلُّ مَن جهل شيئًا مِن الدينِ يكفر ... )

إلى أن قال: (ولهذا؛ كنتُ أقولُ للجهميةِ؛ مِن الحلوليةِ والنفاةِ الذين نَفَوا أنَّ الله -تعالى- فوقَ العرشِ؛ لمَّا وقعَت محنتُهم: أنا لو وافقتكم كنتُ كافرًا؛ لأني أعلم أن قولَكم كفرٌ، وأنتم عندي لا تكفرون لأنَّكم جهال. وكان هذا خطابًا لعلمائِهم وقضاتِهم وشيوخِهم وأمرائِهم، وأصل جهلِهم شبهاتٌ عقليةٌ حصلت لرؤوسِهم في قصورٍ مِن معرفةِ المنقولِ الصحيح، والمعقولِ الصريحِ الموافقِ له؛ فكان هذا خطابنا) اهـ.

ولا يَمنعُ هذا أن يكونَ مِنهم -أعني مَن ظاهرُهم التأوُّل الذي يُعذَر به- في نفسِ الأمرِ مَن هو زنديقٌ لا يتأوَّلُ بل يتظاهر، أو من ظهر له بُطلانُ ما هو فيه ومعارضته لدين الله فجحد الحقَّ؛ إلا أنَّ الحكمَ بتكفيرِ الواحِدِ مِنهم لا يكونُ إلا بالتحقُّقِ مِن زوالِ شبهتِه وإدراكِه لبطلانِها؛ وهو ما يتعذَّرُ ظنُّ حصولِه في مثلِ هذه التأويلاتِ -غالبًا- بلا قرينةٍ خارجةٍ؛ مِن تصريحِ المخالفِ بهذا، أو غيره من القرائن المعتبرةِ عندَ أهلِ العلمِ لمثلِ هذه الأحكامِ، ولا يكونُ هذا إلا بالظنِّ الغالبِ المبنيِّ على الأدلةِ والقرائنِ لا ما بُنِيَ على غيرِ ذلك مما ذُمَّ اتِّباعُه والعملُ به.

وتمييزُ التأويلِ المعتبرِ مِن عدمِه، وارتفاعِ الشُّبهةِ بالمناقشةِ مِن عدمِه؛ من أدَقِّ العِلمِ الذي يجبُ ردُّه إلى كبارِ أهلِ العِلمِ الذين لهم تحقيقٌ ظاهرٌ في أصولِ الدينِ وفروعِه وجليلِه ودقيقِه، ومعرفةٌ بكلام من سبق من علماء السنةِ؛ يعينُهم على تمييزِ مراتبِ المخالفاتِ وأحوالِها؛ وإلحاقِ الوقائعِ والنوازلِ بأشباهِها، وإدراكِ كلِّ وصفٍ يؤثِّرُ في الحُكمِ لإعمالِه في تنقيحِ المناطِ في الحكم الشرعيِّ المُطلقِ، وتحقيقِه في الواقعةِ المعيَّنةِ.

وعامة مَن تكلم في المسألة من العلماء اعتبرَ تأويلاتهم، وعدَّها مانعةً من تكفيرهم في الظاهر، أما من لم يكن منهم يتأول الأدلةَ أنَّها ترخِّصُ له ما هو فيه، وكان يفعلُه محبَّةً في السلطانِ، وكان في كلامِه للكفارِ صادقًا لا موهِمًا لهم بما يَعدُّه مِن المعاريضِ والكذبِ على العدوِّ (وكثير مِنه لا يجوز لهم قولُه)؛ فكافرٌ لا ينفعُه جهلُنا بكفرِه، وإنَّما لنا الظاهرُ الذي يعلمُه أهلُ العِلمِ؛ مِن نفسِ ما ادَّعاه تأويلاً، ومِن قرائنِ حالِه التي ترجِّحُ صدقَه أو كذبَه؛ فيُحكم له ظاهرًا بما غلب مِنهما، وبالسلامةِ عِندَ التردُّدِ.

الرسالة الغزية .. · الصفحة ٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسالة الغزية ..ص ٢٧