تهيئةِ المجتمعِ لقبول الأحوالِ الشرعيةِ، وإيجادُ الظروفِ المناسبةِ لفرضِها على الناسِ بدونِ أن يسبِّبَ هذا زوالَها، ولمنعِ ما يمكنُ مَنعُه من الأوضاعِ المخالفةِ للشريعةِ، وللتضييقِ عليها ما أمكنَ، وأنَّ هذا هو أخفُّ الضررينِ؛ فهم بينَ فعلِهم هذا على النحوِ المذكورِ وما يحققون به من المصالح ويدرؤون به من المفاسدِ بقدرِ الإمكانِ ليُصلِحُوا شيئًا فشيئًا، وبين أن ينفِّذوا الأحكامَ مِن حدودٍ ومنْعٍ للمخالفاتِ جملةً ويعلنوا التزامَهم بالشرع؛ فيَتِّحد العالمُ لإسقاطِهم مِن الحُكمِ ويُسلَّمَ إلى غيرِهم؛ فتفوت المصالحُ التي كانوا يسعون إلى تحقيقِها للإسلامِ بحسبِ الإمكانِ، ويكون الحالُ على الدعوةِ الإسلاميةِ وعلى الناسِ شرًّا مما هو عليه.
ولهم في ذلك باختصار: أدلةُ الإكراهِ، وأدلةُ درءِ أعلى المفسدتين بالوقوعِ في صغراهما، وقصةُ النجاشيِّ، وأثرُ عمرَ المذكورُ، وتدرُّجُ نزولِ الشرائعِ، وقبولِه -صلى الله عليه وسلم- الإسلامَ -ابتداءً- مِمن اشترطَ، وغيرُ ذلك ممَّا الاستدلال به عِندنا باطلٌ؛ لا يجيزُ لهم ما هم فيه؛ ولكنَّه يورثهم شبهةَ أنَّهم بفعلِهم هذا يحقِّقون مرادَ اللهِ مِنهم ومِمَّن كان في حالِهم.
وتأوُّلهم هذا -على بطلانِه شرعًا وجزمِنا أنَّه مِن جهةِ الأثرِ يحقِّقُ نقيضَ مقصودِهم ويجرُّهم إلى أحوالٍ هي شرٌّ مما هم فيه ويزيدُ إصلاحَ الأحوالِ عُسرًا - مما اعتبرَه أكثرُ أهلِ العِلمِ المعاصرين لنازلتِهم (أعني مخالفيهم وأما مَن وافقهم فلا يعدُّ ذلك تأويلاً بل دليلا راجحًا)؛ مَن له -منهم- كعبٌ عالٍ في العِلمِ ومنهجٌ صحيحٌ في الاعتقادِ والعملِ عمومًا، وفي مسائلِ الإيمانِ التشريع والحكم، ومَن عِندَه في ذلك ضعف تحقيق أو انحراف، ولا غرابةَ أن يعتبروه؛ فهو أظهرُ مِن تأوُّلِ كثيرٍ مِن أهلِ البِدَعِ الذين عذرهم أهلُ العِلمِ بتفصيلٍ تقدَّمَ؛ كمن انصرف عن الكتابِ والسنةِ إلى عِلمِ الكلامِ وقانونِه وقواعِدِه المتناقضةِ وصرَّح بعرض خبرِ الوحيِ عليه لقبولِه أو ردِّه، وهو أظهرُ مِن تأويلاتِ نفاةِ العلوِّ من المتأخرين، وهو الذي ثَبَتَ مِن وجوه كثيرةٍ جِدًّا نقلا وعقلا، بل قال شيخُ الإسلام ابن تيمية [في الجواب الصحيح 4/ 318] (والأنبياءُ كلُّهم متطابقون على أنَّه في العُلُوِّ، وفي القرآنِ والسنةِ ما يقاربُ ألفَ دليلٍ على ذلك) اهـ.
وقد نفاه المتأخرون مِنَ الأشعرية وغيرُهم؛ لا استنادًا إلى الوحيِ بل إلى ما زعموه من (قواطع العقل)، وصرفوا خبرَ الوحيِ عَنه إلى ما لا يُعقَلُ مِن المعاني؛ كـ"لا داخل ولا خارج"، وحرَّفوه إلى ما لا تحتمله اللغةُ؛ كتحريفِهم للاستواءِ المتضمِّنِ للعلوِّ إلى الاستيلاءِ، وغير ذلك مما هو إلى معارضةِ الشريعةِ ومخالفتِها أقربُ مِن تأويلاتِ حماس؛ من حيثُ ظهور البطلانِ، ومن حيثُ استناده إلى غيرِ الكتابِ والسنةِ أصلاً، ومع ذلك فقد نُقِلَ الإجماعُ على عدمِ تكفيرِ الأشاعرةِ في الظاهرِ مع ما يتضمُّنُه مذهبُهم في المنهجِ والأصولِ؛ وأيَّدَ هذا المحققونَ مِن أهلِ العِلمِ العالمينَ بتفاصيلِ معتقد الأشعريةِ وحقيقِته فوقَ ما يعلمُه كثيرٌ مِن أهلِ المذهبِ نفسِه، كشيخِ الإسلامِ وابنِ القيِّمِ وغيرِهما، وقد قال شيخُ الإسلام لبعضهم [في الرد على البكري ص252 - 254]: (فلهذا كان أهلُ العلم و السنةِ؛ لا يكفرون مَن خالَفَهم وإن كان ذلك المخالفُ يكفرُهم؛ لأن الكفرَ حكمٌ