تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثمَّ إنَّه لا مخالفَ -فيما أعلم- في عدمِ تكفيرِ المتحاكمِ إلى الطاغوتِ لتحصيلِ حقِّه أو دفعِ ضررٍ للضرورةِ؛ مَن جوَّزه فلجوازه، ومَن حرَّمه وعدَّه فِعلاً مُكفِّرًا فللشبهةِ، ولوجودِ مَن يُفتي به من العلماء، وبين الحكمِ والتحاكم تطابقٌ؛ مِن حيثُ إنَّ كلاًّ منهما خروجٌ عَن شرعِ اللهِ بلا إكراهٍ؛ ولو كان بابُ الحكمِ يتحقَّقُ فيه الشركُ مطلقًا عند أهلِ العلم؛ لما جازَ عند بعضهم التحاكُمُ لضرورةٍ هي دون الإكراه الشرعيِّ، ولا جاز عدمُ إكفارِهم المتأولَ والمقلِّدَ فيه، ولا يكفِّرُ في هذه الصورةِ -فيما أعلم- إلا بعض الغلاةِ الذين لا يَعتدُّ أحدٌ بهم.

إذا تقرَّر ما تقدَّم ذِكرُه؛ مِن كونِ شركِ الطاعةِ والتشريعِ والحُكمِ لا يتحقَّقُ إلا بالعِلم؛ لزم اعتبارُ الجهلِ والتأويلِ من حيث الأصل في المسألةِ وعدمُ إهدارِ أثرِهما، ما لم يُرَدَّ معيَّنٌ مِنهما؛ بعدمِ اعتبارِ التأويلِ المعيَّنِ أو قيامِ الحجةِ على صاحبِه بالتعريفِ أو بالردِّ على الشبهةِ ورفعِها، أو بظهورِ المسألةِ الدالِّ على قصدِ المخالفةِ؛ وما يرَدُّ به التأويل المعتبر أصلُه يختلفُ بحسبِ الواقعةِ وما احتفَّ بها.

وإذا أردنا بعد ذلك الحكمَ على حماس ومن انتسب إليها وما تفرَّعَ عَنها؛ فلا بُدَّ مِن النظرِ في أحوالِهم، ومنطلقاتِهم، وأصولِهم وتأويلاتِهم التي بَنَوا عليها؛ فسوَّغوا لأنفسهم ما فعلوه وما هُم فيه؛ وحينئذٍ يظهرُ لنا هل هم ممَّن يحكمُ بغيرِ ما أنزلَ اللهُ معارضةً لحُكمِ اللهِ ومخالفةً له، أو متأولين ظانِّين أنَّ ما هم فيه طاعةٌ للهِ وموافقةٌ لأمرِه وعمَلٌ برُخَصِه وحكمٌ بما أمرَ مِثلَهم به.

وحركةُ حماس تعلنُ أنَّها حركةٌ إسلاميةٌ، ولها منهجٌ معلن نظريًّا، ومُلاحَظٌ عمليًّا، لا يخرجُ في جملتِه عن الالتزامِ بشرعِ الله، والسعيِ إلى الحكمِ به، وذمِّ الأوضاعِ المخالفةِ له، واعتبارِها جاهليةً يجبُ السعيُ إلى تغييرِها، بالدعوةِ وغيرِ ذلك، وهم في بلدٍ يحتلُّه اليهودُ؛ فكانَ أن اختصُّوا بمسألةِ الجهادِ لتحريرِ فلسطين، وطردِ المحتلِّ، واشتغلوا بمناجزةِ العدوِّ، بالجهادِ القتاليِّ المشروعِ، والعملِ السياسيِّ المخالفِ في كثيرٍ مِن أحوالِه لشرعِ اللهِ -في نفسِ الأمرِ لا بحسبِ ما يظهرُ لهم- وهم في هذا يشوبُهم بدعٌ وأخطاء واجتهادات؛ ظاهرُهم أنَّ قصدَهم مِنها العملُ للدينِ، والسعيُ إلى التمكين وإزالة المانع من تحكيمِ الشريعةِ، وموافقةُ أمرِ اللهِ وشرعِه، ومِن ذلك ما وقع مِنهم من دخولِ الانتخاباتِ، وإنشائهم حكومةً تابعةً لعباس، وحكمُهم بعدَ ذلك بالقوانينِ الوضعيةِ التي تخالفُ دينَ اللهِ وشريعتَه، وهذا مِنهم لا يخلو مِن أحدِ حالين: أحدُهما أن يفعلوا ذلك إعراضًا عَن شرعِ الله، ورغبةً عَن الحكمِ به، ولو مع اعتقادِ صحَّتِه وأفضليَّتِه، لكن كان ذلك طمعًا في الحُكمِ واستحبابًا للدنيا على الآخرةِ، أو التزامًا بالعاداتِ والتقاليدِ، أو خوفًا مِن الكفَّارِ هو مِن جنسِ قولِ

الرسالة الغزية .. · الصفحة ٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسالة الغزية ..ص ٢٤