تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الضربُ مِن الجهلِ يتفاوتُ ضِدُّه؛ فمِنه الضروريُّ ومِنه القطعيُّ غيرُ الضروريِّ ومِنه ما هو دون ذلك، والحجةُ في بعضِه تقومُ بمجرِّدِ التعريفِ، وفي بعضِه بالنقاشِ ورفعِ الشبهةِ، وفي بعضِه لا يُسوغُ الحكمُ على المخالفِ بتعمُّدِ مخالفةِ الشريعةِ ولو مع نقاشِه ما لم يظهر ذلك بدليلٍ خارج؛ كما تقدَّم.

وفي هذا الضربِ قال شيخُ الإسلام: (ليس لأحدٍ أن يحكُمَ بين أحدٍ مِن خلقِ اللهِ -لا بَينَ المسلمين، ولا الكفار، ولا الفتيان، ولا رماة البندق، ولا الجيش، ولا الفقراء، ولا غير ذلك- إلا بحكمِ اللهِ ورسولِه. ومَن ابتغَى غيرَ ذلك؛ تناولَه قولُه تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وقولُه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ فيجبُ على المسلمين أن يُحَكِّموا اللهَ ورسولَه في كلِّ ما شَجَرَ بينَهم، ومَن حَكَمَ بحُكمِ البندقِ وشرعِ البندقِ أو غيرِه مما يخالِفُ شرعَ اللهِ ورسولِه، وحُكمَ اللهِ ورسولِه، وَهُوَ يَعلَمُ ذَلِكَ؛ فهو مِن جِنسِ التتارِ الذين يُقَدِّمُون حكمَ الياسقِ على حُكمِ اللهِ ورسولِه، ومَن تعمَّد ذلك؛ فقد قَدَح في عدالتِه ودينِه) اهـ[مجموع الفتاوى 35/ 407 - 408].

وقسَّم الشيخُ عبدُ الرزاق عفيفي -رحمه الله- الحاكمين بما أنزل الله، ثم بغير ما أنزل الله؛ بحسب أحوالهم، فقال: (فمن بذل جهده ونظر في أدلة الشرع؛ فهو مأجور أجران [كذا] إن أصاب، ومعذور مأجور أجرًا واحدًا إن أخطأ) مختصرًا.

ثمَّ قال: (وله أن يعمل بذلك في نفسِه، وأن يحكم به بين الناس، ويُعلّمه الناس).

ثمَّ تكلم في حالات من يحكم بغير ما أنزل الله، وذكر المقصِّرَ في معرفةِ حكم الله؛ وعدَّه آثمًا ضالا، ثمَّ مَن حكم بغير ما أنزل الله في مسائل أو قضايا لهوى أو رشوة، مع التزامِه بحكمِ اللهِ؛ وعدَّه آثمًا غيرَ كافرٍ.

ثمَّ قال في الحالةِ الثالثةِ: (مَن كان منتسبا للإسلام عالمًا بأحكامه، ثم وضع للناس أحكامًا وهيَّأ لهم نظُمًا ليعملوا بها، ويتحاكموا إليها، وهو يَعْلَمُ أنَّها تخالفُ أحكامَ الإسلامِ، فهو كافرٌ خارجٌ مِن مِلة الإسلامِ، وكذا الحكمُ فيمن أمر بتشكيل لجنة أو لجان لذلك، ومَن أمر الناس بالتحاكمِ إلى تلك النظم والقوانين أو حملهم على التحاكم إليها، وهو يعلم أنها مخالفةٌ لشريعةِ الإسلام، وكذا مَن يتولى الحكمَ بها، وطبَّقها في القضايا، ومَن أطاعَهم في التحاكمِ إليها، باختيارِه، مع عِلمِه بمخالفتِها للإسلام، فجميعُ هؤلاءِ شركاءُ في الإعراضِ عن حكمِ الله) [شبهات حول السنة ورسالة الحكم بغير ما أنزل الله ص62 - 65]. فاشترطَ العلمَ بالمخالفةِ لحُكمِ اللهِ؛ مع أنَّ الصورةَ في النُّظُمِ والقوانينِ.

الرسالة الغزية .. · الصفحة ٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسالة الغزية ..ص ٢٣