تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا كانَ القولُ كفرًا أن يَكْفُرَ كلُّ مَن قالَه مع الجهلِ والتأويلِ؛ فإنَّ ثبوتَ الكُفرِ في حقِّ الشخصِ المعينِ كثبوتِ الوعيدِ في الآخرةِ في حقِّهِ، وذلك لهُ شروطٌ وموانعُ، كما بسطناه في موضِعِه) قاله ابن تيمية [في منهاج السنة 5/ 161 - 162].

ثمَّ الجهلُ في البابِ الذي نحنُ فيه (سواءٌ أكان محضًا أم أثرَ تأوُّلٍ)؛ إمَّا أن يكونَ في أصلِ وجوبِ الحُكمِ بما أنزلَ اللهُ، فهذا إنَّما يُتصوَّرُ في حديثِ العهدِ بالإسلامِ ونحوِه، بأن يَظنَّ بأنَّ الكتابَ والسنةَ إنَّما بيَّنا التوحيدَ والصلاةَ ونحو ذلك، ويجهلَ أنَّ لله أحكامًا تفصيليةً تحكمُ سائرَ أفعالِ الناسِ وتصرُّفاتِهم أفرادًا وجماعاتٍ، فهذا يرتفعُ بالبيانِ والتعريفِ إن كان الواقعُ فيه يُتصوَّر أنْ يجهلَ مثلُه ذلك.

وهذا الضربُ مِن الجهلِ هو ما ذكره شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ [في منهاج السنة 5/ 83] بقولِه: (بل كثيرٌ مِن المنتسبين إلى الإسلامِ يَحكُمُون بعاداتِهم التي لم يُنزِّلْها اللهُ -سبحانه وتعالى- كسوالفِ الباديةِ، وكأوامِرِ المُطاعين فيهم، ويَرَون أنَّ هذا هو الذي ينبغي الحكمُ به دونَ الكتابِ والسنةِ، وهذا هو الكفرُ، فإنَّ كثيرًا مِن الناسِ أسلموا، ولكن مع هذا لا يَحكُمُون إلا بالعاداتِ الجاريةِ لهم التي يَأمُرُ بها المطاعون؛ فهؤلاء إذا عرفوا أنَّه لا يجوزُ الحكمُ إلا بما أنزل اللهُ، فلم يَلتزِمُوا ذلك، بل استحلوا أن يَحكُمُوا بخلافِ ما أنزلَ اللهُ فهم كفارٌ وإلا كانُوا جُهَّالا) اهـ.

وسُئل الشيخ عبدُ اللطيفِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ حسن -رحمهم الله- (عمَّا يحكم به أهلُ السوالفِ مِن البوادي وغيرِهم مِن عاداتِ الآباءِ والأجدادِ: هل يُطلَقُ عليهِم بذلك الكفرُ بعدَ التعريفِ ... إلخ؟

فأجاب: مَن تحاكَمَ إلى غَيرِ كتابِ اللهِ، وسنةِ رسولِه -صلى الله عليه وسلم- بعد التعريفِ، فهو كافرٌ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ... ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ... ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية؛ والآيات في هذا المعنى كثيرة) اهـ[الدرر السنية 10/ 426].

وقولُ الشيخِ عبدِ اللطيفِ يحتملُ الصورةَ التي ذكرها شيخُ الإسلام، ويحتملُ الضربَ الثاني: وهو تحقُّقُ العلمِ بوجوبِ الحُكمِ بما أنزلَ الله، لكن مع الجهلِ بمخالفةِ الحُكمِ المعيِّنِ له، إمَّا بظنِّه مما أنزلَ اللهُ وشرعَ، وإما بظنِّه لا يخالفُ حُكمَ اللهِ، وهو ما يسمِّيه بعضُهم بالمصالحِ المرسلةِ، والتحقيقُ أنَّها على ما يذكرونَ لا وجودَ لها، بل المصالحُ كلُّها ترجعُ إلى عموم نصٍّ أو معقولِه.

الرسالة الغزية .. · الصفحة ٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسالة الغزية ..ص ٢٢