تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكنَّ أهلَ العِلمِ من السلفِ ومحققي المتأخرين لم يُكفِروهم جملةً بمجرِّدِ ذلك؛ وإنما يعرف التكفير في هذا عن أهلِ البدعِ أنفسِهم وعن طوائف ممن تأثر بهم من متأخري أهلِ السنةِ؛ جهلاً منهم بمأخذ أهل البدع في التكفيرِ في هذه المسائلِ. بل اعتبر أهلُ العلم حُسنَ قصدِ هؤلاءِ وتأويلهم -في الجملةِ- في طلبِ التنزيهِ ونفيِ ما ظنُّوه لا يليقُ باللهِ تعالى، وظنِّهم أنَّهم غيرُ مخالفين لخبرِ اللهِ تعالى وأمرِه، وخبر رسولِه -صلى الله عليه وسلم- وأمره، وأنَّ ما خالفوه مِن المعاني الشرعيةِ غيرُ مرادٍ، فحملوا النصوصَ لظنِّهم على غيرِ مرادِ اللهِ مِنها الذي نقطعُ به، إلى غيرِ ذلك من التصرُّفاتِ التي تأولوا فيها، فعدَّ أهلُ العِلمِ التأويلَ -في الجملةِ- عُذرًا لو كان سائغًا، واحتملَه جهلُهم؛ ولم يكن ظاهرُه أنَّه سِترٌ للزندقةِ؛ وهذا يُعرَف بالنظرِ في نفسِ التأويلِ، وفي حالِ المتأوِّلِ.

وإنما أكفروا مِنهم مِن الفِرَقِ والأعيانِ من ظهرَ تعمُّدُه المخالفةَ؛ لقيامِ الحجةِ المزيلةِ -ظاهرًا- لشُبهتِه، أو ضعفِ تأويلِه عَن أن يُعَدَّ صاحبُه غيرَ متعمِّدٍ للمخالفةِ لا مِن حيث إنَّ جنسَ التأويلِ غيرُ معتبرٍ في ذلك، فردُّوا تأويلاتِ زنادقةِ الباطنيةِ، وغلاةِ الجهميةِ والفلاسفةِ الإسلاميين، وقبلوا -في الجملةِ- تأويلاتِ من شابَه فلسفةٌ وتجهُّمٌ، ولم يظهر تعمُّدُه مخالفةَ خبر الله وأمره، ولا يُعرَفُ عَنهم تكفيرٌ لأعيانِ أهلِ البدعِ الكفريةِ بالجملةِ، ولا لمَن كان كمن تقدَّم وصفُ منهجِه مِن أهلِ الكلامِ، إلا لفرقٍ كانت تأويلاتُها مِن جنسِ التأويلاتِ المذكورةِ عن الباطنيةِ ونحوهم.

وإذا كانَت كلُّ بدعةٍ تشريعًا لما لم يأذنْ به اللهُ مِن الدينِ (مع كونِ أكثرِها مركَّبًا؛ فهو تشريعٌ لما لم يأذن به اللهُ، وتحاكمٌ (في الدين) إلى ما لم يأذنْ به الله)؛ فنفيُ العذرِ بالتأويلِ جملةً يستلزمُ تكفيرَ كلِّ مبتدعٍ، والمتكلمونَ أولاهم بذلك، والحقُّ في التفصيلِ بحسبِ ظهورِ عمدِ المخالفةِ وقوةِ التأويلِ.

والقاعدةُ في هذا: (أنَّ المتأولَ الذي قصدُه متابعةُ الرسولِ لا يكفرُ بل ولا يفسقُ إذا اجتهدَ فأخطأَ، وهذا مشهورٌ عِندَ الناسِ في المسائلِ العمليةِ، وأما مسائلُ العقائدِ فكثيرٌ مِن الناسِ كفَّرَ المخطئين فيها، وهذا القولُ لا يُعرَفُ عَن أحدٍ مِن الصحابةِ، والتابعين لهُم بإحسانٍ، ولا عَن أحدٍ مِن أئمةِ المسلمين، وإنَّما هو في الأصلِ مِن أقوالِ أهلِ البِدَعِ الذين يَبتدِعُون بدعةً، ويُكفِّرُون مَن خالَفَهم، كالخوارجِ والمعتزلةِ والجهميةِ، ووقع ذلك في كثيرٍ مِن أتباعِ الأئمةِ؛ كبعضِ أصحابِ مالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وغيرِهم، وقد يَسلُكون في التكفيرِ ذلك، فمِنهم مَن يُكَفِّرُ أهلَ البِدَعِ مُطلقًا؛ ثمَّ يَجعَلُ كلَّ مَن خَرَجَ عمَّا هو عَليهِ مِن أهلِ البِدَعِ، وهذا بِعَينِه قولُ الخوارجِ والمعتزلةِ الجهميةِ، وهذا القولُ أيضًا يوجَدُ في طائفةٍ مِن أصحابِ الأئمةِ الأربعةِ، وليسَ هو قولُ الأئمةِ الأربعةِ ولا غيرِهم، وليسَ فيهم مَن كَفَّرَ كلَّ مُبتدِعٍ، بل المنقولاتُ الصريحةُ عَنهُم تُناقِضُ ذلك، ولكنْ قد يُنقَلُ عَن أحدِهم أنَّه كَفَّرَ مَن قال بعض الأقوالِ، ويكونُ مقصودُه أنَّ هذا القولَ كُفْرٌ؛ ليُحذَرَ، ولا يَلزَمُ

الرسالة الغزية .. · الصفحة ٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسالة الغزية ..ص ٢١