ومَن يقرأُ كتبَهم فيما يسمى بعلم الكلام الذي يقررون به أصول الدين، وكتبَ من يعظِّم المنطق منهم؛ يقشعرُّ بدنُه مِن عباراتِهم ظاهرةِ المعارضةِ للوحيِ إجمالاً وتفصيلاً؛ بل ونصَّ كثيرٌ مِنهم على أنَّ الوحيَ يحاكَمُ إلى تلك القواعدِ التي أحدثَها فلاسفةٌ منقطعون عن نورِ الوحيِ؛ ولم يكتفوا بتطبيقِ هذا الضلالِ عمليًّا. وقسَّموا أصول الدين إلى (عقليات) لا مدخل للوحي فيها أصلا، وسمعيات تثبت بالوحي بشرط عدم مخالفتِه للعقلِ، والعقل عندهم في كلِّ هذا يريدون به تلك القواعد المحدثة التي يعارض كثيرٌ مِنها صريح العقلِ، فضلا عن مخالفتِها لقواطعِ الوحي.
وهم لم يكتفوا بالإعراضِ عن الوحيين وتركِ التلقي في أصولِ الدين منهما، بل زادوا إلى ذلك محاكمةَ نصوصِهما إلى قواعدِهم المأخوذةِ -أصلا- عن الفلاسفةِ، وصرّحَ الغزاليُّ بأنَّ المنطقَ (يشملُ جدواه جميعَ العلوم النظريةِ، العقليةِ مِنها والفقهيةِ، فإنَّ النظرَ في الفقهيات لا يباينُ النظرَ في العقلياتِ، في ترتيبِه، وشروطِه، وعيارِه) اهـ بتصرف يسير [معيار العلم ص27]، فكلُّ العلومِ تتوقفُ صحَّتُها على مجاوزتِها لقنطرةِ المنطقِ وإلا رُدَّت، وعلمُ الدينِ وكتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه من ذلك!
ولولا أن يطول المقامُ وأنَّ هذا ليس مقصودنا؛ لنقلتُ ما يبيِّن هذا من نصوصِهم الصريحةِ في تقريرِه، ولكن أحيل فيه إلى (معيار العلم) للغزالي، ومقدمته للمستصفى، والمواقف للإيجي وشروحه، والأربعين وأساس التقديس للرازي، والمحيط بالتكليف والمغني لعبد الجبار المعتزلي، وغيرها من كتب أعلامهم، ويغني عن ذلك لتصوُّرِ المرادِ إجمالاً؛ مطالعةُ الأشاعرة الكبير للحوالي.
هذا؛ وهم ينسبون مقالاتِهم الناتجة عن تلك الطرقِ البدعية إلى دينِ الله، ويكفِّرون مَا خالفَها ولو كان مأخوذًا من الكتابِ والسنةِ، حتى صرَّح بعضُهم بأنَّ اعتقادَ ظواهرِ الكتابِ في آياتِ الصفاتِ؛ كفرٌ!
وحمل بعضُهم الناسَ عليها إكراهًا، وألزموهم بها، وحاكموا مخالفيها، وحرَّضوا جهلةَ الولاةِ عليهم زمنَ السَّلفِ وبعدَهم، حتَّى كان شيءٌ مِن ذلك الاعتداء؛ مِن ولاةٍ لهم في الإسلامِ فضلٌ ومكانةٌ وجهاد، عفا الله عنهم.
وهذا كلُّه أعظمُ مِن مجرِّدِ التشريعِ بما لم يأذن به اللهُ من حيث المخالفة؛ لتضمِّنِه إياه وزيادةِ نسبتِه إلى اللهِ، والطعنِ في ظاهرِ الكتابِ والسنةِ، وهو كذلك عَينُ التحاكمِ إلى غير الكتابِ والسنةِ، وعينُ المخالفةِ عَن أمرِ اللهِ، وتنكُّبِ سنةِ النبيِّ -صلى اللهُ عليه وسلم- وصحابتِه والسلفِ الصالحِ.