تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس هذا محلُّ تحقيقِ معنى الاستحسانِ عِندَ أهلِه، وما دفعَ به بعضُهم عَنه، فالعبرةُ بتصوِّرِ الشافعيِّ له؛ إذ المرادُ بيانُ موقفِه مِن أهلِه وعذرِه لهم فلم يسوِّهم بمن تعمَّد مخالفةَ الشرعِ، مع إنكارِه المعروفِ عليهم وعدم تسويغِه لطريقتِهم، قال في [الأم 6/ 202]: (ومَن قال: للرجلِ يجتهد برأيِه فيستحسنُ على غيرِ أصلٍ؛ فقد أَمَرَ باتِّباعِ مَن يُمكنُ مِنه الخطأُ وأقامَه مقامَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الذي فَرَضَ اللهُ اتِّباعَه، فإنْ كان قائلُ هذا مِمَّن يَعقِلُ ما تَكَلَّم به، فتكلَّمَ به بَعدَ معرفةِ هذا؛ فأرى للإمامِ أن يمنعَه، وإن كان غبيًّا؛ عُلِّم هذا حتَّى يرجِعَ).

وفي الأم [7/ 300]: (ومَن قال: أستحسِنُ لا عَن أمرِ اللهِ ولا عَن أمرِ رسولِه -صلى الله عليه وسلم- فلم يَقبلْ عَن اللهِ ولا عَن رسولِه ما قالَ، ولم يَطلُبْ ما قالَ بحُكمِ الله ولا بحكمِ رسولِه؛ [كانَ] * الخطأُ في قولِ مَن قالَ هذا بيِّنًا؛ بأنَّه قد قالَ: أقولُ وأعملُ بما لم أومرْ به، ولم أُنْهَ عَنه، وبِلا مثالٍ على ما أُمِرُتُ به، ونُهيتُ عَنه، وقد قضى اللهُ بخلافِ ما قال؛ فلم يَترُكْ أحدًا إلا متعبَّدًا) [* في الأصل: وكان].

وممن عدَّ هذا مِن الإعراضِ عَن تحكيمِ الكتابِ والسنة؛ ابنُ القيِّمِ، ففي [الفوائد ص48] قوله: (لمَّا أعرَضَ الناسُ عَن تحكيمِ الكتابِ والسنةِ والمحاكمةِ إليهما، واعتَقَدُوا عدمَ الاكتفاءِ بهِما، وعَدَلُوا إلى الآراءِ والقياسِ [قلتُ: يريد القياس المعارض للنصوصِ لا مطلق القياس فهو قائل به]، والاستحسانِ، وأقوال الشيوخِ؛ عَرَضَ لهم ... )، ثمَّ ذكر بعض آثارِ عدمِ تحكيمِ الكتابِ والسنةِ، ومعلومٌ أنَّه لا يكفِّرُ أهلَ الصور المذكورة مِن الإعراضِ لعدم تعمُّدِهم المعارضةَ.

وإذا كان القياسُ قولَ أكثرِ السلفِ، والاستحسانُ قد قال به بعضُ الناسِ في زمانِهم؛ فأبلغُ مِمَّا ذكرتُ موقفُهم مِن أهلِ البِدَع والمقالاتِ؛ فإنَّها مخالفةٌ لما عليه الجماعةُ مِن الصحابةِ ومَن بعدَهم مِن طبقاتِ السلفِ، وأكثرُ مقالاتِ الفِرَقِ المتأخرةِ عن زمن الصحابةِ لم تكن أثرَ نظرٍ قاصرٍ في الكتابِ والسُّنةِ، بل إنَّ منهجَهم في النظرِ قائمٌ على قواعدِهم الكلاميةِ الكليةِ المأخوذةِ أصلاً مِن الفلسفةِ مع مزجها بشيءٍ من الشرعيات؛ عدُّوها أحكامًا عقلية، وحاكموا الكتابَ والسنةَ إلى هذه القواعدِ التي أحدث أصلَها أرسطو وأمثالُه؛ فما وافقَ مِنها (العقلَ) بزعمهم قبلوه، وما خالفَه ردُّوه وإن صحَّ ثبوتًا، بل إنَّ أصولَ أصولِ الدينِ عِندَهم إنما تؤخذ مِن هذه القواعدِ؛ فلو وافقَها ظاهرُ الوحيِ استأنسوا به؛ ولو خالفَها فهو (ظنٌّ) لا تعارَضُ به (القواطعُ العقليةِ)، فتعيَّنَ ردُّه، وإن كان مقطوعًا ثبوتُه فالمتعيِّنُ تأويلُه من جهةِ معناه ولو بتكلُّفٍ، وهذا مسلكُ جميعِ المتكلمينَ وإن كان بعضُهم فيه شرًّا مِن بعضٍ.

الرسالة الغزية .. · الصفحة ١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسالة الغزية ..ص ١٩