-عِندَه- البرهانُ مِن النصوصِ الثابتةِ المتظاهرةِ فتمادى على القولِ بالقياسِ أو بدليلِ الخِطابِ؛ فهو فاسقٌ؛ لأنَّه ثابتٌ على ما لم يأذنْ به اللهُ تعالى، ولا رسولُه -صلى اللهُ عليه وسلم- كما قدمنا.
ومِنها أن يتعلَّقَ بالرأيِ والاستحسانِ، وهذا أضعفُ مِن كلِّ ما تقدَّمَ؛ إذ الشبهةُ المتعلَّقُ بها في هذين الوجهين في غايةِ الوهاءِ؛ لأنَّه لا دليلَ على صحتِهما بل البرهانُ قائمٌ على بطلانِهما، إلا أنَّهم قد تعلَّقُوا في ذلك بأثرين واهيين ساقطين مصروفين أيضًا عن وجهِهما: أحدُهما الحديثُ المنسوبُ إلى معاذ، إلا أنَّ مَن شُبِّهَ عَليه؛ فظنَّ أنَّه مصيبٌ في ذلك؛ فهو معذورٌ مأجورٌ؛ فإنْ قامَتْ عَليه حجةُ بطلانِ الرأيِ والاستحسانِ؛ فثبتَ على القول بهما؛ فهو فاسقٌ؛ لحكمِه في الدينِ بما لم يأذنْ به اللُه تعالى) اهـ.
ووجهُ ذلك عِندَه عمومُ رفعِ إثمِ الخطأِ وعدمِ عمدِ مخالفةِ حُكمِ اللهِ؛ كما قال في [الإحكام 8/ 590]: (ولكنْ قد قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ فصحَّ بالنَّصِّ أنَّ الخطأَ مرفوعٌ عنَّا؛ فمَنْ حَكَم بقولٍ ولمْ يعرِفْ أنَّه خطأٌ -وهو عِندَ اللهِ تعالى خطأٌ-؛ فقدْ أخطأَ ولم يتعمَّدِ الحكمَ بما يدري أنَّه خطأٌ؛ فهذا لا جناح عليه في ذلك عِندَ اللهِ تعالى، وهذه الآيةُ عمومٌ؛ دخل فيه المُفتُون والحكَّامُ والعاملون والمعتقدون؛ فارتفعَ الجُناحُ عَن هؤلاءِ بنصِّ القرآنِ فيما قالوه أو عملوا به مِما هُم مخطئون فيه، وصحَّ أنَّ الجُناحَ إنَّما هو على مَن تعمَّد بقلبِه الفُتيا أو التديُّنَ أو الحكمَ أو العملَ بما يَدري أنَّه ليس حقًّا، أو بما لم يُقَدِّم إليه دليلٌ أصلاً، وصحَّ بهذه الآيةِ: أنَّ مَن قام عِندَه برهانٌ على بطلانِ قولٍ فتمادَى عَليه؛ فهو في جناحٍ؛ لأنَّه قد تعمَّد بقلبِه ذلك) اهـ.
ومِنه الاستحسانُ عِندَ الشافعيِّ؛ فقد عدَّه تشريعًا كما قال الغزالي [في المستصفى 1/ 274]: (وقال الشافعيُّ: مَن استحسنَ فقدْ شرَّعَ) اهـ، قال التاج السبكي [في الأشباه والنظائر 2/ 196]: (وأنا لم أجد إلى الآن هذا في كلامِه نصًّا، ولكن وُجِدَ في الأمِّ -في الإقرارِ والاجتهادِ- ما يدلُّ على أنَّه يُطلِقُ على القائل به أبلغ من الاستحسان؛ فلقد قال في هذا الباب: إنَّ مَن قال بالاستحسانِ فقد قال قَولاً عظيمًا، ووضعَ نفسَه في رأيِه واجتهادِه واستحسانِه على غيرِ كتابٍ ولا سُنةٍ موضعَها في أن يُتَّبَعَ رأيُه كما ابتغاه، وفي أنَّ رأيَه أصلٌ ثالثٌ أُمِرَ الناسُ باتِّباعِه. وهذا خلافُ كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى إنَّما أَمَرَ بطاعتِه وطاعةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم) اهـ، وهو في [الأمِّ 6/ 200]. وقال في [الرسالة ص507 فقرة 1464] (وإنَّما الاستحسانُ تلذُّذٌ) اهـ، والاستحسان يكون في الاجتهادِ في الفتيا (وهو تشريع)، وفي الحكم بها، قال [في الأم 7/ 301]: (أفرأيت إذا قالَ الحاكمُ والمفتي في النازلةِ -ليس فيها نصُّ خبرٍ ولا قياسٌ، وقال أستحسنُ) اهـ، ولا ينبغي أن يفرَّقَ بين الحكمِ والتشريعِ به؛ لابتناءِ الحكمِ على التشريعِ.