وهذا كلُّه يكفرُ -في نفسِ الأمرِ- مَن يخالفُه -مشرِّعًا أو حاكمًا بشرعٍ- عمدًا؛ فيعدِل عنه في تشريعٍ أو حُكمٍ أو طاعةٍ ملتزمًا فيها ما يخالفُه، ولو كان تعيين حكم الله فيه اجتهاديًّا، ما دام قد تبين له، كما دلت الآيات السابقة.
وأمَّا الحكمُ ظاهرًا بكفرِ المخالِفِ له - مشرِّعًا أو حاكمًا بشرعٍ- فيختلفُ إجراءً بحسبِ مرتبةِ العِلمِ بما خالفه وبحسبِ المخالفِ نفسِه؛ فمِنه ما يظهر عمدُ المخالفةِ لشرعِ اللهِ فيه بمجرِّدِ العدولِ عَنه فيحكَم بكفرِه ولا يُقبَل دعوى الجهلِ فيه، ومِنه ما لا يُحَكم بكفرِ مخالفِه إلا بعدَ التعريفِ، ومِنه ما لا سبيلَ إلى الحكمِ فيه بتعمُّدِ المخالفةِ إلا بدليلٍ خارجيٍّ قاطعٍ؛ كالتصريحِ به، أو مغلِّبٍ للظنِّ؛ بقرائن يعمل بمثلها في هذا الباب.
والمقصودُ مِن هذا: تقريرُ أنَّ حقيقةَ الشِّركِ في أبوابِ التشريعِ والحُكمِ به والطاعةِ فيه؛ مركَّبةٌ مِن العلم بالشرع، ثم قصد غيره، وأمَّا القصدُ إليهِ طلبًا للشرعِ أو ظنًّا أنَّه لا يخالِفُ الشرعَ فهو مِن أبوابِ الخطأِ والجهلِ؛ فانتفاءُ العِلم بجهلٍ أو تأوُّلٍ ينفي حقيقةَ الشركِ في هذا الباب؛ ويبقى تحقيقُ إمكانِ تخلُّفِ العلمِ الصحيح بالشرع -بجهل أو تأول- عند إطلاقِ الأحكامِ الظاهرة على الأعيانِ؛ بحسبِ ظهورِ العِلمِ بالمسألةِ، وحال المخالفِ فيها.
واعتبارُ ما ذكرنا ظاهرٌ في تقريراتِ العلماءِ في المسألةِ، وفي تصرُّفاتِهم مع مَن عدُّوه مخالفًا للشريعةِ تشريعًا أو حُكمًا؛ مُتأولاً أو جاهلاً.
ومِن ذلك أنَّ ابنَ حزمٍ -رحمه الله- زعمَ بطلانَ القِياسِ، وعدَّه في مواضعَ لا تُحصى مِن التشريعِ بما لم يأذنْ به اللهُ، كقولِه في [الإحكام 8/ 500]: (فصحَّ بالنَّصِّ أنَّ كلَّ ما لَم يُنَصَّ عَليهِ؛ فهو شيءٌ لم يأذنْ به اللهُ تعالى؛ وهذه صفةُ القياسِ؛ وهذا حرام)، ثمَّ قال: (والقياسُ غيرُ منصوصٍ على الأمرِ به فيهمِا [يعني في الكتابِ والسنةِ]؛ فهو مِن عِندِ غيرِ الله تعالى) اهـ، وقال [الإحكام 8/ 503]: (والقياسُ: اسمٌ في الدينِ، لم يأذنْ به اللهُ تعالى، ولا أنزلَ به سُلطانًا) اهـ، وقال في المفهومِ والاستحسانِ والتقليدِ نحو ذلك، ولكنَّه مع هذا؛ اعتبرَ ما عدَّه شبهاتٍ تأوَّل بها أصحابُها أنَّ الشارعَ قد أذن لهم بذلك (وهي عِندنا في غيرِ الاستحسانِ: أدلةٌ قاطعةٌ وليست بشبهاتٍ؛ والصحيحُ أنَّ نفيَ القياسِ بطريقتِه -رحمه الله- بدعةٌ حادثة لم يقل بها أحدٌ مِن السلفِ ولا الأئمة المرضيين)؛ فلم يُكفِرْهم مع اعتبارِه طريقتَهم تشريعًا لم يأذن به الله، وحُكمًا وتحاكُمًا إلى غيرِ كتابِ اللهِ وسنَّةِ رسولِه؛ حيثُ إنَّ: (اعتقادَ الشيءِ، والعملَ به، والفتيا به؛ حكمٌ به) عِندَ ابنِ حزمٍ، قاله في الإحكام [8/ 591]. وطريقتُه مع هؤلاء بيَّنَها في قولِه [في الإحكام 8/ 595 - 596]: (مِنها أن يتعلَّقَ بدليلِ الخِطابِ، أو بالقياسِ؛ فهذا أيضًا معذورٌ مأجورٌ، مخطئٌ -عِندَ اللهِ تعالى- بيقينٍ؛ إلا أنه لا يَفسُقُ ما لم تَقُمْ عَليه الحجةُ في بطلانِ هذين العلمين؛ فإن قام بذلك