تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عَنْها، وتعيّنُ السُّنةِ هو العِلمُ بها ثبوتًا ومعنى، ومراتبُ ظهورِه مختلفةٌ، وحيثُ تحقَّقَ العدولُ قصدًا في امرئٍ كفر في نفس الأمر، وحيثُ ظهَر ذلك كُفِّر صاحبُه، سواءٌ أكان ذلك في تشريعٍ أم كان في حُكمٍ به. وهذا واضحُ الدلالةِ على أنَّ العِبرةَ هي بالمقصودِ: أهو موافقةُ حكمِ اللهِ أم مخالفتُه في التشريعِ والحُكمِ بغيره. ففي الآيةِ دلالةٌ على اعتبار القصد بالأمرِ بالرَّدِّ؛ لافتقارِ الامتثالِ إلى علمٍ بالمردودِ إليه.

فكلُّ ما كان بابُ الرسالةِ جزءًا مِن حقيقتِه اشتُرِطَ فيه العِلمُ لتحقُّقِ وصفِ الذمِّ في مخالفِه؛ والتشريعُ مركَّبٌ مِن الحقيقتين اللتين يتركب منهما الإيمان: العلم، والإرادة المبنية عليه، ومِن هذه الإرادة تنشأ الأعمالُ الإيمانيةُ الظاهرةُ.

وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؛ فمما هو فرعٌ عَن الوجهِ السابقِ -مع الفارق- مشروعيةُ تقليدِ العلماءِ وسؤالِهم وطاعةِ الأمراءِ، وحقيقةُ الطاعةِ في هذا المقامِ: أنَّها للهِ؛ ولذا فحيثُ تبيَّن للمرءِ -القادرِ على التمييزِ- مخالفةُ الحاكم لحكمِ اللهِ؛ لم يجز له متابعته قولاً به أو عملا، إلا في الاجتهادياتِ على قولٍ (وفي المسألة تفصيل)؛ وهذا الاستثناءُ مبنيٌّ على إذنِ الشارعِ المأخوذِ من أصولِ الشريعةِ وله وجهٌ مِن المصلحةِ وضبطِ الأحكامِ وقطعِ تنازعِ الأفهامِ.

ولو كانت مخالفةُ حكمِ اللهِ وأمرِه ومتابعةُ حُكمِ العالم أو الأمير وأمرِه شِركًا مطلقًا -ولو مع عدمِ العِلمِ بالمخالفة- لما شُرِعَ تقليدُهم وطاعتُهم لورودِ المخالفةِ -بتأويلٍ أو معصيةٍ- عليهم، ومخالفهم من غير أهلية مخالف لأمر الله ولو أصاب ما هو حكم الله اتفاقًا؛ فلا تكونُ طاعتُهم شِركًا إلا بالعِلمِ بالمخالفةِ؛ وهذا يستلزمُ العِلمَ بالمشروعِ لإدراك ما خالفه.

***************

ثمَّ هذا العِلمُ على مراتب:

فمِنه الضروريُّ؛ كالعِلمِ بوجوبِ الحُكمِ بما أنزلَ اللهِ، والعِلمِ بجُرمِ الزاني وجرمِ شاربِ الخمرِ، والسارقِ ونحو المذكور، ومِن الضروريات ما هو دونَ هذا: كالعلمِ بوضعِ حدودٍ لتلك الجرائمِ، فالضرورياتُ تتفاوت.

وبعضُ العلم قطعيٌّ مجمعٌ عليه غيرُ ضروريٍّ للعامةِ؛ كما أُجمِعَ عليه مِن مقاديرِ الإرثِ، وأنصبةِ الزكاةِ، ومِنه ما لم يُجمَع عليهِ وقد يَقطعُ به طائفة ولا يسوِّغون الخلاف فيه لوضوحِ دليلِه عِندَهم؛ كعدم قتل المسلم بالكافر قصاصًا، ومِنه ما هو محلُّ اجتهادٍ في الجملةِ.

الرسالة الغزية .. · الصفحة ١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسالة الغزية ..ص ١٦