تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله اتِّباعًا لرؤسائهم، مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهم خَالَفُوا دِينَ الرسُلِ؛ فهذا كُفْرٌ، وقد جَعَلَه اللهُ ورسولُه شِركًا، وإن لم يكونوا يُصَلُّون لهم ويسجدون لهم؛ فكان مَن اتَّبَع غيرَه في خلافِ الدينِ، مَعَ عِلْمِهِ أنَّه خلافُ الدينِ، واعْتَقَدَ ما قالَه ذلك دونَ ما قالَه اللهُ ورسولُه؛ مُشرِكًا مِثلَ هؤلاءِ) اهـ.

وحديث عدي -رضي الله عنه- الذي يُستدلُّ به في هذا البابِ كثيرًا؛ فيه تأكيد للمذكور كما تقدَّم؛ حيثُ جهِلَ كونَها عبادةً، وهذا لا أثر له، ولكنه لم يجهلْ صفةَ تلك الطاعةِ وأنها بعد العلمِ بالمخالفةِ والخروجِ عن الشرعِ، لقولِه لما سأله الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- ألم يكونوا يحلون لهم ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله فيطيعونهم فيه؟ قال بلى، وفي رواياتٍ سكتَ، وسكوتُه إقرارٌ كالتصريحِ بالعلم، بدليلِ عدم ِسكوتِه في الأولِ لمَّا جهلَه؛ فدلَّ أنه يعلم صفةَ تلك الطاعةِ.

ومِمَّا دلَّ كذلك على اعتبارِ العِلمِ في هذا البابِ وأنَّ الشركَ يتحقق حيثُ قُصِدَت المخالفةُ عُدولاً: مشروعيةُ أجناسٍ مِن التحكيمِ فيما لا نصَّ فيه؛ كقولِه تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾، وقولِه في جزاء الصيدِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ وقد استدلَّ بهذا الوجهِ عليٌّ -رضي الله عنه- في حادثةِ التحكيمِ؛ والتحكيمُ مشروعٌ؛ بحكمِ الحاكمِ بما عيَّنَه الشرعُ، أو بما فوَّضَ تقديرَه إليهِ وأذن له فيه؛ فإذا أخطأ التعيينَ أو ظنَّ المعيَّنَ مقدَّرًا لم يكن بذلك عادلاً عمدًا عَن حكمِ الشرعِ، بل هو قاصدٌ إلى تحقيقِ ما أمرَه اللهُ أو أذن له به كغيرِه من المتأولين.

ومِن أظهرِ أوجُهِ اعتبارِ العِلمِ: الأمرُ بالتحاكُمِ إلى الرسولِ -صلى الله عليه وسلم-، وجَعلُه شرطَ الإيمانِ، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، فهذا إنَّما هو مِن حيثُ هو رسولٌ مبلِّغٌ؛ فحكمُه هو حكمُ اللهِ قطعًا، والعدولُ عَنه شِركٌ لأنَّه عدولٌ عَن حكمِ اللهِ في الحقيقةِ وبلا لَبسٍ، وهذا معلومٌ بالضرورةِ مِن معنى الرسالةِ؛ وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، قال ابن جرير [في تفسيرِه 9/ 176]: (يعني: بِما أنزلَ اللهُ إلَيكَ مِن كتابِه) اهـ، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.

وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، والردُّ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- تحاكُمًا أو غيره؛ قد يكونُ مباشِرًا؛ والعدولُ عَن حُكمِه أو عَن أصلِ التحاكمِ إليهِ شركٌ لما ذُكِرَ، ومِنه عدولُ المنافقين المذكور في قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾، وقد يكونُ التحاكمُ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- تحاكُمًا إلى سنَّتِه الثابتةِ، وكونُ العدولِ عَنها شِركًا مفتقرٌ إلى تعيُّنِها عِندَ مَن عَدَل

الرسالة الغزية .. · الصفحة ١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسالة الغزية ..ص ١٥