تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}، وقولِه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، قال ابن جرير [في تفسيرِه 8/ 516]: (فمَن ترَكَ طاعتَه، والرِّضى بحُكمِه، واحتَكَمَ إلى الطاغوتِ؛ فقد خالَفَ أمري، وضيَّع فرْضي) اهـ، والطاعةُ بعد العِلم ولا يسمى ما كان اتفاقًا بالطاعة، بل ربما كان شركًا في بعضِ الصورِ، ويأتي التفصيلُ في صورِ حكمِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم.

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾، قال ابنُ جرير [في تفسيرِه 22/ 182]: (الذي هو خلافٌ لأمرِ اللهِ تبارك وتعالى، وأمرِ رسولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) اهـ؛ فكانت رِدَّتُهم بالطاعةِ من بعدِ ما تبيَّن لهم الهُدى؛ وعرفوا أنَّ طاعتَهم ستكونُ في خلافِ أمرِ اللهِ تعالى.

وقولُه تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال أهلُ التفسيرِ: بالطاعةِ؛ أحلُّوا لهم الحرام، وحرَّموا عليهم الحلال؛ فاتَّبعُوهم، وفيه حديث عديٍّ -رضي الله عنه- وهو دليلٌ على عدم الإعذار في الشرك بجهلِ كونِ الطاعةِ الشركيةِ عبادةً ما وُجدَت حقيقتُها؛ لأنَّه كان مما كفروا به مع جهلهم -الظاهر من نفي عدي- بأن ذلك عبادة، وفي سؤال النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لعديٍّ سؤالاً تقريريًّا؛ إشارةٌ إلى اعتبار العلم بالمخالفة في هذه الصورة من الشرك، وقد أقرَّ عدي بأنهم يتبعونهم فيما غيروا من التشريع بالتحليل والتحريم، وهو دالٌّ على علمهم بهذا التبديل، وفي الحديث مقال.

وأخرج الطبريُّ [في تفسيرِه 14/ 212] عَن الربيع بن أنس، قال: (قلتُ لأبي العالية: كيف كانَت الرُّبوبيةُ التي كانَتْ في بني إسرائيل؟ قال: " [لن نسبقَ أحبارنا بشيء مضى] *؛ ما أمرونا به ائتمرنا، وما نهونا عنه انتهينا لقولهم"، وهم يجدون في كتاب الله ما أُمِرُوا به، وما نهوا عنه؛ فاستنصحوا الرجالَ، ونبذُوا كتاب الله وراء ظهورهم) اهـ

*في الأصل: [لم يسبُّوا أحبارنا]، وقد استشكله المحقِّق، والتصحيح من مجموع الفتاوى 7/ 67 وغيره، وهو فيه بدون [مضى].

قلتُ: وهو ظاهرٌ في تحقُّقِ العِلم فيهم مِن وجوه: هي تقديمُهم للأحبار على الكتاب عمدًا، والكتاب هو المراد بقولهم (بشيء مضى)، وجعلُهم علة طاعتهم ومعصيتهم للأحبار هي نفسُ قولِ الأحبار لا فهمهم للوحي، وتصريحُ أبي العالية بأنَّهم يجدون ما أُمِروا به وما نُهوا عَنه في كتابِ اللهِ.

وقال شيخُ الإسلامِ في ذلك [مجموع الفتاوى 7/ 70]: (وهؤلاءِ الذين اتَّخَذُوا أحبارَهم ورهبانهم أربابًا؛ حيثُ أطاعوهم في تحليلِ ما حرَّم اللهُ، وتحريمِ ما أحلَّ اللهُ؛ يكونون على وجهين: أحدُهما: أنْ يَعلَمُوا أنَّهم بدَّلوا دينَ اللهِ؛ فيتْبَعُونهم على التبديلِ؛ فيعتقدون تحليلَ ما حرَّم اللهُ وتحريمَ ما أحلَّ

الرسالة الغزية .. · الصفحة ١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسالة الغزية ..ص ١٤