استثناءً مِن القاعدةِ أحسن؛ لاختلافِ متعلَّقِ هذا الجهلِ عَن متعلَّقِ الجهلِ المنفيِّ أثرُه في القاعدةِ.
وهذا المعنى دلَّ عَليهِ عددٌ مِن آياتِ البابِ، سواءٌ ما كان في التشريعِ، أم الطاعةِ فيه، أم الحكمِ بغيرِ ما أنزلَ اللهُ بصورتِه الشركيةِ، ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، أومأ بقولِه ﴿مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى وجهِ كونِ ذلك التشريعِ شِركًا؛ وهو -في الدينِ- صفةٌ كاشفةٌ لا مفهومَ لها واللهُ أعلم، والمقصود من الشاهِد: أنَّ موافقةَ الإذنِ أو مخالفتَه طاعةٌ ومعصيةٌ مع العِلمِ بوجودِه أو عدمه لا دونَه؛ ليُتَصوَّرَ تحقَّقُ القصدِ إليهما، وبنحوِه قولُه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾، أخرج الطبريُّ [في تفسيره 15/ 112] عن ابن عباس، قال: (هم أهلُ الشِّرْكِ) اهـ.
ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، ففي قولِه ﴿يُرِيدُونَ﴾ إيماءٌ إلى اعتبارِ الإرادةِ فيه؛ أهي متوجِّهةٌ إلى حكمِ اللهِ أم إلى حكمِ غيرِه، وبنحوِه قولُه تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، قال ابن كثير [في تفسيرِه 3/ 131] في قولِه تعالى ﴿يَبْغُونَ﴾: (يَبتغُونَ ويُرِيدُونَ، وعَن حُكمِ اللهِ يَعدِلُونَ) اهـ.
ومما دلَّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾؛ فلم ينفعْهم إذعانُهم لمَّا كانَ مقصوده طلب ما لهم مِن الحقِّ، ولم يكن إذعانًا لحُكم اللهِ من حيث هو كذلك؛ فدلَّ على اعتبارِ المقصودِ لا الموافقة اتِّفاقًا.
ومِنهُ قولُه تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، فنهى -جلَّ وعلا- رسولَه عَن اتِّباعِ أهواء اليهودِ؛ وجعل اتِّباعَ الأهواءِ مقابِلَ الحُكمِ بالشَّرعِ؛ وفي المقابلةِ إشارةٌ إلى أنَّ تركَ اتِّباعِ الأهواءِ -وهي الأحكامُ الجاهليةُ- في الحكمِ؛ فيه حكمٌ بما أنزلَ اللهِ، وهو من الرسولِ -صلى الله عليه وسلم- عينُ حكمِ اللهِ، ومِن غيرِه؛ يحتملُ إصابةَ حكمِ اللهِ ويحتملُ إخطاءَه؛ وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ العبرةَ –في هذا الباب- قصد حكم الله ولو أخطأَ عينَه.
وفي الآيةِ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ والتولي يكونُ بعدَ العِلمِ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، والإعراضُ بعد العِلمِ، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾؛ فعلَّقَ الذمَّ في مخالفةِ قضاءِ اللهِ بالعِلم؛ وذلك مدلولُ قولِه تعالى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ والمعصيةُ هي المخالفة المقصودة، فتكونُ بعد العِلم، ونحوُ هذا في قولِه تعالى: {إِنَّمَا