تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكنَّ الأمرين لا يُنتِجان الحُكمَ المذكورَ ولو صحَّا؛ فلا يسوغُ الفتيا بألفاظِ قواعدِ الفقهِ دونَ تحريرِها وإدراكِ مآخذِها ومنقولِ دلائلِها ومعقولِها لمعرفةِ حدِّ مدلولِها واستثناءاتِها، والتفريقِ بين صورِ وجودِ متعلَّقاتِها؛ لضبطِ الحُكمِ بها؛ ولعدمِ تجاوُزِ محلِّه طردًا لعمومِ لفظِها؛ فإنَّ عمومَ نصِّ الشارعِ قد يرِدُ عليهِ ما هو معلومٌ من العوارضِ؛ فكيف بالقواعِدِ التي صاغَها العلماءُ؟ وقد نصَّ بعضُ أهلِ العِلمِ على أنَّ قواعدَ الفقهِ المتضمنةَ للأحكامِ أغلبيةٌ تُقرِّبُ العِلمَ وترتِّبُه ولا تطَّرِدُ، وأحسنُ مِن هذا أن يقال إنَّ مِنها ما هو مطَّرِدٌ؛ لكنْ قد يُتَوَهَّمُ دلالتُه على ما يخالفُه حكمًا، وليس -عِندَ التحقيقِ- مِن مدلولِه حتى يُعَدَّ استثناءً مِنه.

والقاعدةُ المذكورةُ في أصلِها خلافٌ بين المعاصرين؛ أُعرِضُ عَن عرضِه طلبًا للاختصارِ؛ وأسلِّمُ بصحَّتِها، ليكونَ الكلامُ عن طردِها في كلِّ صورِ الشركِ، وفي كلِّ متعلَّقاتِ الجهلِ؛ هل يصحُّ؟

وهل يُتصوَّرُ أن يمنعَ (جهلٌ) أو (تأولٌ) تحقُّقَ الشركِ في الباطنِ في بعضِ أفعالِ الشرك؟ ولا خلاف أن الإكراه والخطأ كذلك.

فالجواب:

أنَّ مأخذَ عدمِ اعتبارِ الجهلِ والتأوُّلِ في إعذارِ من يستغيثونَ ويذبحونَ، وينذرونَ ويطوفونَ لغيرِ الله، وإن كان هذا مِن عجزٍ عَن إدراكِ حقيقةِ هذه الأفعالِ، أو باجتهادٍ في طلبِ الحقِّ؛ هو أنَّ جهلهم وتأوُّلَهم واقِعَينِ في ظنِّهم أنَّ هذا ليسَ عِبادةً، وظنِّهم أنَّ اللهَ أمَرَهم به، وليسَ هذا -عِندَ النَّظرِ فيه- مما يتخلَّفُ بهِ حقيقةُ الشركِ فلا يكون صاحبُه مشركًا في نفس الأمر؛ فإنَّ مسمَّى عبادةِ غيرِ اللهِ وحقائقَها -الذي هو قصدُ غيرِ اللهِ طلبًا وخضوعًا وذُلاًّ- متحقِّقٌ هنا معَ الجهلِ بالاسمِ وعدمِ قصدِ مخالفةِ الأمرِ؛ والجهةُ منفكَّةٌ بين (وجودِ حقيقةِ العبادةِ) في الفاعلِ، وعلمِه بكونِها تسمَّى عبادةً، أو العِلمِ بمخالفتِها للأمرِ الشرعيِّ.

وأمَّا في مسألةِ الشَّرعِ (تشريعًا وحُكمًا) فإنَّ الشركَ مركَّبٌ مِن العِلم بجنسِ الشرعِ أو عَينِه، ومِن مخالفتِه؛ فلا يتحقَّقُ هنا إلا في عاصٍ، وأمَّا مخالفتُه معَ الجهلِ به، أو مركَّبًا بظنِّ موافقتِه؛ فتمنعُ وجودَ حقيقةِ الشِّركِ؛ إذِ انتفى قصدُ غيرِ اللهِ به، أو الخروجِ عَن طاعتِه جلَّ وعلا؛ فقصدُ المتأوِّلِ ومقلِّدِه طاعةُ أمرِ الله وإن أخطآه.

وهذا إما أن يعدَّ استثناءً من قاعدة عدم العذر بالجهلِ لعدمِ تحقُّقِ مأخذِها فيه، أو يقالَ بأنَّه مِما اصطلح عليه بعضُهم بجهل الحال، وهو قد يكون جهلاً بكونيٍّ؛ كما هو جهلُ الساجدِ للهِ قُدَّامَ صنمٍ لا عبادةً ولا موافقةً بل جهلاً بوجوده، وقد يكون بشرعيٍّ وهو في مسألتِنا هذه تعيينُ الشرعِ ليُقصَدَ إليه، وهو في الشرعيات إما جهلٌ تامٌّ أو تأويلٌ منع صحةَ الإدراكِ، وعدُّه مِن هذا البابِ لا

الرسالة الغزية .. · الصفحة ١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسالة الغزية ..ص ١٢