تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفواتُ الأكملِ لا يُسقِطُ طلبَ ما دونَه؛ فإذا تعذَّر أن تكونَ وحدةٌ، فشورى، وإن تعذرت فتعاون، وإن تعذَّر فتناصحٌ بالمعروفِ وتآخٍ وتركٌ لمفسداتِ ذاتِ البين.

ومما يعينُ على تحقيقِها -بإذن الله- المرونةُ في المفاوضةِ، وتركُ ما مصلحتُه دون مصلحةِ الوحدةِ من السياسات والاختيارات والإماراتِ واستيفاءِ الحقِّ والمظالمِ وغيرِ ذلك؛ تحصيلاً للكبرى مِنها، وكذلك التوازنُ في ترتيبِ الأصولِ والمهماتِ وتمييزُها من الفروعِ والاختياراتِ التي قد يسوغُ تركُها توسُّلاً إلى الجماعةِ، وهذا بابٌ من الدين فقهُه عظيم الأثرِ على أهلِ العملِ الإسلاميِّ، وفواتُه شرٌّ وضلالٌ وسببُ فرقةٍ وبابُ ابتداعٍ، ويعينكم كذلك المبالغةُ في اللين مع الإخوان والتواضع معهم وتلطيف الكلام لهم وتأليف قلوبهم؛ فإن له أثرًا عظيمًا مجرَّبًا، وقد سلكه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فيما تعلمون من الحوادث.

ثمَّ أختم هذا المقام العامَّ بتذكيرِ إخواني بمسألةٍ هامةٍ، وهي أنَّهم في مرحلةٍ قد قامَ فيها المجاهدون لمدافعةِ طاغوتِ العصرِ في حربٍ واحدةٍ وإن تفرَّقت ثغورُها وساحاتُها، ولستم بحاجةٍ إلى تذكيرِكم بريادةِ إخوانكم في قاعدة الجهادِ في أفغانستان، وقيادتهم للحركةِ الجهاديةِ المعاصرةِ في معركتِها لتحريرِ الإسلامِ وأهلِه من تسلُّطِ طاغوتِ المجتمِع الدوليِّ وأمريكا المهيمنة عليه، فهذا التحرُّرُ هو باعثُ سلطانِ الشريعةِ بإذن الله، والممهِّد لعودتِه، هذا وجه، والآخر هو ما اختص به الله تعالى القادةَ في تلك الديار من خبرةٍ طويلةٍ، ونضج منهجيِّ في العلم والعمل، وكثرةِ المجيدينَ عندهم في مختلفِ الفنونِ مِن الشرعيةِ والسياسيةِ والإداريةِ والعسكريةِ، وهو ما جعلَهم خيرَ من تأهَّل لقيادةِ الأمةِ في هذه الحربِ وإدراكِ سبُلِ الفلاحِ والظفرِ فيها بعَونِ الله تعالى، والثالث ما لهم من الثقة وما لآرائهم وتوجيهاتِهم من القبول عند أكثر الإخوة وعند عامة المسلمين، وهي وجوه تؤكِّدُ على طالب السداد أن يتأمل في أقوالهم، وأن يحرص على العمل بنصائحهم وتوجيهاتِهم، وأن يجعل السياسة العامة في عملِه؛ خادمةً للسياسةِ العامةِ لأصلِ الحركةِ الجهاديةِ ومتممة لها، لا مخالِفةً لها ومؤخِّرةً لظهورِ ثمارِها، ويجب العنايةُ بفقههم للشرع وللواقع، وموقفِهم مِن الجماعاتِ والأعلامِ؛ فإنهم قد بلغوا في هذا ما بلغوا بفضل الله ثم بما ابتلاهم به من التجارِب الطويلة والمحن العظيمة؛ من تسلط العدو واختلاف الصف والتعاملِ مع المخالفين والمنفلتين ودراسة الأخطاء إلى غير ذلك مما ربَّى التعاملُ معه والصبرُ عليه نفوسَهم وأنضج أفكارَهم حتى كانت أعمالُهم كما نرى ولله الحمد؛ وهؤلاء أولى بأن يُقَدَّم قولُهم على غيرِهم -وإن كان ذا علمٍ وفضلٍ- في التوجيهِ العامِّ، وفي نوازلِ المسائلِ؛ كالسياساتِ المتَّبعةِ في الدعوةِ والقتالِ، وهل يقاتَلُ تحتَ رايةِ هذه الجماعةِ أو تلك أم هي غيرُ مأمونةٍ على الجهادِ، ومآلُ أفعالِها إلى غيرِ السدادِ؟، فلا يُستَمَع في هذه الأمور إلى كلِّ أحدٍ، والأمرُ لا يَحتملُ التجاربَ، ولا اتِّباعَ الآراءِ غيرِ المبنيةِ على طولِ معاناةٍ وممارسةٍ وتجارب.

الرسالة الغزية .. · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسالة الغزية ..ص ١٠