ووجه ثان: أن البدع إذا تُؤُمِّل مَعْقُولهُا وُجِدَت رُتَبُها مُتَفَاوِتَةً، فمنها ما هو كفرٌ صُراح، كبدعة الجاهلية التي نَبَّه عليها القرآن، كقوله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً، فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصةٌ لذكورنا ومُحرَّم على أزواجنا، وإن يكن مَيْتةً فهم فيه شركاء﴾، وقوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرةٍ ولا سائبةٍ ولا وصيلةٍ ولا حام﴾ ، وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ذريعةً لحفظ النَّفس والمال، وما أشبه ذلك مما لا يُشَكُّ أنَّه كُفرٌ صُراح.
ومنها ما هو من المعاصي التي ليست بكفرٍ، أو يُخْتَلَفُ هل هي كفر أم لا! كبدعة الخوارج والقَدَرِيَّة والمُرجئة، ومن أشبههم من الفِرَقِ الضَّالة.
ومنها ما هو معصيةٌ ، ويُتَّفق عليها (وهي) ليست بكفر، كبدعة التَّبَتُّل والصيام قائماً في الشمس……… ((.
فهذا"الشاطبي" -في النَّصَّين- يُوَضِّح من هو المُبْتَدِع الكافر وما هي بدعة الكُفر.
وقبل أن نأتي إلى نَصِّ "كَتَبَة الأصالة" عن"الشاطبي"، أُشير إلى ما ذَكَرَه »الشيخ« وتَوَافُقَه التَّام مع ما نَقَلْناه عن"الشاطبي".
»فالشيخ« يقول ص(186) من كتابه:)) وليس من عمل يُقضى به على صاحبه كفراً بتَرْكِه غير الصلاة، إلا أن يكون حلالاً فَحَرَّمَه،……… ((.
وهذا ما ذَكَرَه"الشاطبي" في النَّصِّ الثاني، وذَكَرَ الأمثلة على بدعة الكُفر الصُّراح بالآيات التي هي تحريم ما أحَلَّ الله.
وكذلك قول »الشيخ«:)) أمَّا إن كان تَرْكُه العمل المَأمورَ به أو فِعْلُه المَنْهيَّ عنه من غير تَحليلٍ ولا تحريمٍ؛ فهو معصيةٌ لا يُوصَف بها بالكفر……… ((.