قال:))﴿ولكم في القصاص حياة﴾ أي:تنحقن بذلك الدماء،وتنقمع به الأشقياء، لأن من عرف أنه مقتولٌ إذا قَتل،لا يكاد يصدر منه القتل،وإذا رؤي القاتل مقتولاً، انذعر بذلك غيره،وانزجر،فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل لم يحصل انكفاف الشَرِّ، الذي يحصل بالقتل.
وهكذا سائر الحدود الشرعية، فيها من النكاية والانزجار ما يدلُّ على حكمة الحكيم الغفار.
ونَكَّرَ ))الحياة (( لإفادة التعظيم والتكثير.
ولما كان هذا الحُكم لا يعرف حقيقته،إلا أهل العقول الكاملة،والألباب الثقيلة،خَصَّهم بالخطاب دون غيرهم.
وهذا يدلُّ على أن الله تعالى،يُحب من عباده أن يُعمِلوا أَفكارهم وعقولهم في تدبُّر ما في أحكامه،من الحِكَم،والمصالح الدَّالَّة على كماله،وكمال حكمته،وحمده، وعدله،ورحمته الواسعة،وأن من كان بهذه المثابة،فقد استحق المدح بأنه من ذوي الألباب الذين وُجِّه إليهم الخطاب،وناداهم رب الأرباب،وكفى بذلك فضلاً وشرفاً لقومٍ يعقلون.
وقوله:﴿لعلكم تتقون﴾ وذلك أن من عَرَف ربه وعَرف ما في دينه وشرعه من الأسرار العظيمة،والحِكَم البديعة،والآيات الرفيعة أوجب له ذلك أن ينقاد لأمر الله، ويُعَظِّمَ معاصيه فيتركها؛فيستحق بذلك أن يكون من المتقين(( .