فالعقوبة أيَّاً كانت-والوصم بالكفر المخرج من المِلَّة لا شك من أشد ما يجب حقيقة أن يؤثِّر في نفس من يدَّعي الإسلام،وكفى به عقوبة لِمَن كان في قلبه بقية من إيمان،مع ما يَتْبَعها من حدٍّ لو كان-إن غابَت غابَ عن الناس الخوف،والوجل، والرهبة،واستهانوا بها،كما نرى من واقعنا الذي غُيِّبت فيه الحدود والعقوبات الشرعية.
فكيف بها إذ غُيِّبَت-كما اليوم- وأُضيف معها ما هو أقل في تأثيره على نفس الإنسان؛ويُقال له مَعَه أنت مسلمٌ ولست بكافرٍ،بل تفعل فِعْلَ الكفار،إلا إذا عَلِمْنا أنك تَجْحَد الصلاة أو تَسْتَحِل الترك،فما الذي سوف يدفعه أن يصلي؟!.
هل سوف يدفعه إلى ذلك؛ القول أنك لا بد أن تُسْتَتَاب وإلاَّ تُقتل؟!، فهذا كما أسلفنا ص(24-25) عن"ابن تيمية":فرضٌ ممتنعٌ أصلاً،فكيف إذا أُضيف إليه أنه
-أي التارك-يرى أن هذا غير ممكنٍ حصوله ولا هو له مكان في واقِعِه؟!.
وصدق"ابن القيِّم"حين قال في كتاب "الصلاة" ص(60) –ومَرَّةً أُخرى-: (( ولا تُصْغِ إلى كلام من ليس له خبرةٌ ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها وتأمَّل في الطبيعة بأن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعد والوعيد،والجنة والنار،وأن الله فرض عليه الصلاة، وأن الله يعاقبه معاقبة على تركها،وهو محافظ على الترك في صحته،وعافيته،وعدم الموانع المانعه له من الفعل، ……… ،وهذا من أمحل المحُال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازمٌ لا يتقاضاه فعلُ طاعة ولا ترك معصية ((.
فإن كنتم لا تَرَوا واقع الأمة اليوم،فأنتم وذاك،ولكن لا تَعيبوا على مَن يعيشه، ويعرف عنه ما لا تعرفون،أو تعرفونه،وتُنكرونه عناداً،وسَفْسَطَةً لاغير.
وما أجمل ما ذَكَرَه العلامة"عبدالرحمن بن ناصر السعدي"،في"تفسير كلام المنان"،تأويلاً لقوله تعالى:﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾.