في الواقع لبنة من لبنات التحضّر الإسلامي, وهو يشتمل على عنصرين أساسيين، لا تنعقد حقيقته إلاّ بهما.
العنصر الأول: هو التيقّظ الفكري متمثّلاً في أن يكون عقل المسلم مندفعاً دوماً إلى التفكير تأمّلاً، وتدبراً، وبحثاً عن الحقيقة، وسعياً في حلّ المشاكل المعترضة، بحيث لا يرى في كلّ حال من أحواله إلاّ مفكرّاً في أمر من الأمور مهما تكن درجته في سلّم الأهمية ما دام مندرجاً في دائرة المصالح.
والعنصر الثاني: هو توجيه الحركة الفكرية الدّؤوب نحو غاية واضحة، بحيث تكون في كلّ مناحيها تهدف إلى تحقيق تلك الغاية ألا وهي الاستجابة للمطلوب الدّيني وإظهاره في الحياة الواقعية، دونما غفلة عن تلك الغاية أو حياد عنها إلى غايات أُخرى.
وقد يتبيّن معنى النفير الفكري بما هو أجلى وأوضح عند التأمّل في صورته الواقعية المتحقّقة في فاتحة نشوء التحضّر الإسلامي، وذلك حينما حرّكت دعوة القرآن الكريم إلى النظر في الآفاق والأنفس عقول المؤمنين، فانطلقت في حركة فكرية لا تعرف وقوفاً، بعد ما كانت في الجاهلية تعيش خمولاً لا يتجاوز بها تدبير المطالب الضرورية للحياة, وقد بلغت هذه الحركة الفكرية من قوّة الدّفع، ومن الابتكارية والريادة ما ظهر عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو البدوي الذي لم يكن يعرف غير حياة البداوة، من فكر إداري وضع به أصول الإدارة لدولة عظمى مترامية الأطراف.
ثالثاً: النفير العملي:
قد يحصل في ذات الفرد نفير نفسي إرادي، وقد يحصل أيضاً نفير فكري، ولكن ذلك كلّه يبقى نزوعاً في النّفس وإن يكن قوياً دافعاً، وحركة في العقل وإن تكن نشيطة هادفة، فلا يجد هذا ولا ذاك طريقة إلى أن يصبح واقعاً يجري به السّلوك؛ إذ لا تنشأ في الفرد نزعة عملية تحوّل على سبيل التلقائية نزوع النفس وحركة الفكر إلى إنجاز سلوكي. وحينئذ فإنّ عنصراً مهماً من عناصر النّفير يكون قد تخلّف، وهو ما نعنيه في هذا الموطن بالنفير العملي.
ومعنى النفير العملي ان يحدث في كيان الفرد المسلم تحفّز في ملكته العملية يصير به على درجة عالية من الاستجابة لتحويل الأفكار إلى عمل، بحيث تكون الأفكار التي تحلّ بذهنه سواء كانت مطلوبات دينية مباشرة كالعبادات بالمعنى الخاص، أو كانت مطلوبات دينية في شؤون الحياة على اختلافها، بحيث تكون تلك الأفكار كلها آخذة طريقها إلى العمل التطبيقي