تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والنفير النفسي في سبيل التحضّر الإسلامي يعني أن يحدث في نفس المسلم نزوع إلى تحقيق الهدف الإسلامي في حياته، بحيث يجمع ذلك النزوع كلّ مناشطه ليوجّهها في تحقيق المطالب الإسلامية ما تعلّق منها بالتطهير النفسي وما تعلّق بترقية العلاقات الاجتماعية، وما تعلّق بالتعمير في الأرض تعميراً مادياً، فيكون الفرد المسلم إذن مندفعاّ في كل حال من أحواله لينجز مطلباً من مطلوبات الدين، فلا يرى البتّة إلا وهو يقطع مرحلة من مراحل الخلافة في الأرض، وهو يعي أنه يفعل ذلك مهما كان عمله صغيراً أو كبيراً, إنه يحمل إرادة في النفس معبّئة لقواها، وموجّهة لها توجيهاً واعياً قوياً نحو الإنجاز لمقتضيات الدين في العمل الصالح المعمّرفي الأرض.

ولنا أن نتبيّن معنى النّفير النّفسي جليّاً في ذلك التحوّل الذي حدث في نفوس المسلمين بفعل الدّعوة المحمّدية، حيث ترى الفرد بعد الغفلة والسّكون، أو التشتّت في ملاهي الجاهلية وضيق أفق الحياة فيها، تراه يهبّ في إرادة تستدمع قواه وتملك عليه نفسه لينطلق في عزم قوة لتحقيق غاية عظمى هي إقامة حياة إنسانية متحضّرة في اتجاه الله تعالى، موجّهاً كلّ منازعه وهمومه وقدراته في سبيل تلك الغاية، نافراً بنفسه إليها.

ثانياً: النفير الفكري:

إذا كانت قوّة الفكر هي جزء من القوى النفسية عامّة، فإننا هنا نقصد بالنفير الفكري معنى زائداً عن النفير النفسي. وإذا كان النفير النّفسي يعني النزوع الإرادي الذي يستجمع النّفس جملة فيدفع في قوّة إلى إنجاز التحضّر، فإنّ النفير الفكري يخصّ من قوى النّفس ملكة العقل في حركتها المعرفية النظرية والعملية. ومن البيّن أنّ الإنسان قد يكون مستنفراً نفسياً بنزع إرادته في قوّة لإنجاز عمل مّا، ولكنّ فكره قد يكون لسبب أو لآخر غير مواكب لذلك النفير النفسي. وما أكثر ما نرى أفراداً وجماعات مستنفرة إرادتهم من أجل العمل الصّالح، ولكنّ الفكر عندهم يكون في ضرب من الغفلة أو الاضطراب فلا يساوق الإرادة في الاندفاع الفاعل، ومن ثمّ فإنّ النّفير الفكري عنصر زائد عن النفير النفسي.

والمعنى الجامع للنفير الفكري هو أن يتحقّق في الفرد المسلم معنى من الوعي الفكري يسخّر به العقل في كل نشاطه المعرفي الذي هو الفكر ليكون في سبيل إنجاز أغراض الدين، وتحقيقها في الواقع، بحيث لا يرى العقل في كلّ شأن من شؤونه صغيراً أو كبيراً، وفي كلّ حركة من حركاته إلاّ وهو متّجه في إصرار ووعي ليعمل على إنجاز مطلوب ديني يحقّق به

القرآن الكريم وخطابه المتجدد · الصفحة ٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القرآن الكريم وخطابه المتجددص ٥٩