تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان " حكم الشعب للشعب " هو أعظم خصيصة من خصائص " الديمقراطية " التي يلهج بذكرها الذاكرون الديمقراطيون، فإن التاريخ القديم والحديث يدلنا على أن هذه الخصيصة المذكورة لم تتحقق على مدار تاريخ الديمقراطية، وأن نظام الحكم الديمقراطي كان دوماً نظاماً طبقياً، حيث تفرض فيه طبقة من طبقات المجتمع إرادتها ومشيئتها على باقي طبقات المجتمع.

ففي القديم - عند الإغريق - كانت الطبقة المكونة من الأمراء والنبلاء وأشراف القوم هي الطبقة الحاكمة المشرعة صاحبة الإرادة العليا، بينما كانت بقية المواطنين - وهم الأغلبية - لا تملك من الأمر شيئاً.

وأما في العصر الحديث؛ فإن طبقة كبار الأغنياء أصحاب رءوس الأموال "الرأسماليين" هي الطبقة الحاكمة المشرعة صاحبة الإرادة العليا، فهي التي تملك الأحزاب ووسائل الإعلام ذات الأثر الجلي في تشكيل الرأي العام وصناعته، بما يكفل في النهاية أن تكون إرادة "الرأسماليين" هي الإرادة العليا صاحبة التشريع.

ومن هنا يتضح أن الديمقراطية كانت دوماً حكم الأقلية - فئة كانت أو طبقة - للأغلبية، وليس حكومة الشعب أو الأغلبية كما يدل عليه ظاهر تعريف الديمقراطية، أو كما يتوهم كثير من الناس بل أكثرهم.

* ... * ... *

المبحث الثاني: مبادئ الديمقراطية:-

1 - تقوم الديمقراطية على مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات بما في ذلك السلطة التشريعية، ويتم ذلك عن طريق اختيار ممثلين عن الشعب ينوبون عنه في مهمة التشريع وسن القوانين، وبعبارة أخرى فإن المشرع المطاع في الديمقراطية هو الإنسان وليس الله! وهذا يعني أن المألوه المعبود المطاع - من جهة التشريع والتحليل والتحريم - هو الشعب والإنسان والمخلوق وليس الله تعالى، وهذا عين الكفر والشرك والضلال لمناقضته لأصول الدين والتوحيد، ولتضمنه إشراك الإنسان الضعيف الجاهل مع الله سبحانه وتعالى في أخص خصائص الربوبية، ألا وهو الحكم والتشريع ...

قال تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه﴾ [يوسف: 40]، وقال تعالى: ﴿ولا يشرك في حكمه أحداً﴾ [الكهف: 26]، وقال تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيءٍ فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: 10]، وليس إلى الشعب أو الجماهير، أو الكثرة الكاثرة ...

وقال تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون﴾ [المائدة: 50]، وقال تعالى: ﴿قل أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً﴾ [الأنعام: 118]، وقال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: 21]، فسمى الذين يشرعون للناس بغير سلطان من الله تعالى شركاء وأنداداً ...

وقال تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك﴾ [المائدة: 49]، وقال تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾ [التوبة: 31].

جاء في الحديث عن عدي بن حاتم لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو نصراني، فسمعه يقرأ هذه الآية: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾. قال: فقلت له إنا لسنا نعبدهم - أي لم نكن نعبدهم من جهة التنسك والدعاء، والسجود والركوع، لظنه أن العبادة محصورة في هذه المعاني وحسب - قال: (أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلون "؟ قال: فقلت بلى. قال: (فتلك عبادتهم).

2 - تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية التدين والاعتقاد، فللمرء - في ظل الأنظمة الديمقراطية - أن يعتقد ما يشاء، ويتدين بالدين الذي يشاء، ويرتد إلى أي دين وقت يشاء، وإن كان هذا الارتداد مؤداه إلى الارتداد عن دين الله تعالى إلى الإلحاد وعبادة غير الله عز وجل! وهذا أمر لا شك في بطلانه وفساده، ومغايرته لكثير من النصوص الشرعية، إذ أن المسلم لو ارتد عن دينه إلى الكفر، فحكمه في الإسلام القتل، كما في الحديث الذي يرويه البخاري وغيره: (من بدل دينه فاقتلوه) وليس فاتركوه ... فالمرتد لا يصح أن يُعقد له عهد ولا أمان، ولا جوار، وليس له في دين الله إلا الاستتابة فإن أبى فالقتل والسيف.

3 - تقوم الديمقراطية على اعتبار الشعب حكم أوحد ترد إليه النزاعات والخصومات؛ فإذا حصل أي اختلاف أو نزاع بين الحاكم والمحكوم، أو بين القيادة والقاعدة نجد أن كلاً من الطرفين يهدد الآخر بالرجوع إلى إرادة الشعب، وإلى اختيار الشعب، ليفصل الشعب ما تم بينهما من نزاع أو اختلاف.

القول الأساس في حكومة حماس · الصفحة ١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القول الأساس في حكومة حماسص ١١