د trB لَهُ مِنْ ك0÷ èt/ حَتَّى تَنْكِحَ %¹`÷ ry ¼çnu} ِچ xî÷. وقوله: × àM"s) ¯=s ـكJّ9$# ur a ئَء / u} tIt' بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ &نےrمچ è%÷. من غير نَصٍّ من النبي *، ولا أَثَرٍ من القول، وإنما هو بالقياس والنَّظَرِ؛ ولذلك اخْتَلَفَتْ فيه آراؤهم، ولو كان على أَثَرٍ، لأَصْفَقُوا عليه.
والأصل فيه عربية، وهو: أن الطلاق ممنوع في أصل الشريعة؛ لأنه هَدْمٌ لِبَيْتٍ في الإسلام، وصَدٌّ عن المقصود من الأُدْمَةِ والالْتِئَامِ، ولكنه وَضَعَهُ الله مَخْلَصًا عند وقوع النفرة وعَدَمِ الأُلْفَةِ، كل ذلك بحكمة تَجْرِي مَجْرَى العقوبات، وكان الله تعالى قد جَعَلَ حَدَّ الْعَبْدِ في الأمر الذي يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْجِ ناقصًا عن حَدِّ الْحُرِّ، فَجَرَى عندهم الطلاق هذا الْمَجْرَى، فَمَنِ اعْتَبَرَهُ بالمرأة، قال: (أن يَنْتَقِصَ الْحَدُّ) الذي هو أصل الاعتبار فيها، فكذلك يَجِبُ أن يَكُونَ الطلاق المُعْتَبَرُ به. قالوا: ولأن العِدَّةَ أَثَرُهُ، وقد اتَّفَقْنَا في الأَمَةِ على أنها حيضتان، فَلْيَكُنْ طلاقها كذلك، إذِ الأَثَرُ على قَدْرِ الْمُؤَثِّرِ.
وهذا ساقط؛ فإن الْحُرَّةَ عندهم تُطَلَّقُ على الْعَبْدِ تطليقتين، وتَعْتَدُّ بثلاث حِيَضٍ، فلا يَكُونُ الأَثَرُ على قَدْرِ الْمُؤَثِّرِ.
والأصل الذي يَنْبَغِي أن يُعَوَّلَ عليه: أن الطلاق تَصَرُّفٌ يَمْلِكُهُ الزوج، فَاعْتُبِرَ بحاله كالنكاح، فإنه يُعْتَبَرُ بحال الزوج، فَيُحِلُّ لِلْحُرِّ أَرْبَعًا، ولِلْعَبْدِ اثْنَتَيْنِ في قول أكثر العلماء.
واخْتَلَفَ قول مَالِكٍ (فيه، ويَلْزَمُهُ) إذا كان نكاح الْعَبْدِ أَرْبَعًا كَالْحُرِّ أن يَكُونَ طلاقه كَالْحُرِّ، فإن الْمِلْكَ الذي هو الأصل إذا كُمِّلَ له، فَالتَّصَرُّفُ الْفَرْعُ الْمُتَرَتِّبُ عليه أَوْلَى أن يُكَمَّلَ.
وأما مَنِ اعْتَبَرَهُ بِرِقِّ مَنْ كان، فلم يَصِحَّ عن ابْنِ عُمَرَ كما رَوَوْا، ولا له أصل يَرْجِعُ إليه، وقد اتَّفَقَتِ الصحابة على قولين، فإحداث قول ثالث شَغْبٌ مُخْتَلَفٌ فيه، فَالأَوْلَى الإعراض عنه، ويَلْزَمُ قَائِلَهُ أن يقول كذلك في الْعِدَّةِ، فَسَقَطَ هذا الْمَعْنَى سقوطًا كُلِّيًّا.
أَمَا إنَّهُمْ قد قالوا: إن الطلاق لا يَكُونُ بِيَدِ الْعَبْدِ، وإنما يَكُونُ بِيَدِ سَيِّدِهِ، وأَسْنَدُوهُ إلى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وابْنِ عَبَّاسٍ. ولم يَثْبُتْ. والسَّيِّدُ إذا
أَذِنَ له في النكاح، فَالإذْنُ فيه إذْنٌ في جميع أحكامه ومتعلقاته.
وقد أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ومُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّعْمَانِيُّ، قالا: حَدَّثَنَا أَبُو عُتْبَةَ أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَجَّاجِ الْمَهْرِيُّ، عن مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قال: =جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ * يَشْكُو أَنَّ مَوْلاَهُ زَوَّجَهُ، وَهْوَ يَرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ. فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يُزَوِّجُونَ عَبِيدَهُمْ إمَاءَهُمْ، ثُمَّ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمْ ـ أو ـ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوابَيْنَهُمْ؟! أَلاَ إنَّمَا يَمْلِكُ الطَّلاَقَ مَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ+.
ورَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ عن مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ.
ورَوَاهُ عِصْمَةُ بْنُ مَالِكٍ، عن النبي * بمعناه، قال النبي *: =الطَّلاَقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ+.
أَمَا إنَّهُ يُعْتَبَرُ على الْمَالِكِيَّةِ والْحَنَفِيَّةِ الذين يَرَوْنَ إجْبَارَ السَّيِّدِ عَبْدَهُ على النكاح، فإذا جَازَ إدخاله في النكاح عندهم قَهْرًا، لَزِمَهُمْ أن يُخْرِجُوهُ عنه قَهْرًا، ويَكُونَ للذي أَدْخَلَهُ فيه بغير اختياره أن يُخْرِجَهُ عنه بغير اختياره، وإنما يَسْتَمِرُّ الدليل لِلشَّافِعِيِّ الذي يَرَى أنه لا يُجْبِرُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ على النكاح، ويَلْزَمُهُمْ كما يُمَلِّكُهُ، ويَنْتَزِعُ مِلْكَهُ، كذلك يُحِلُّ له، ثم يَنْتَزِعُ حِلَّهُ.
وقد بَيَّنَّا المسألة في كتاب الخلاف، فليس هذا إلا موضع التَّنْبِيهِ على مَأْخَذ الأدلة.
قال الإمام الحافظ: وقد رُوِيَ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أنه لا يَرَى لِلسَّيِّدِ أن يَفْسَخَ نكاح عَبْدِهِ، لكن إذا بَاعَهُ، فَسَخَهُ السَّيِّدُ الثاني إن شَاءَ.
وهذا ضعيف؛ لأن الثاني دَخَلَ على أمر مُسْتَقِرٍّ، لا يَقْدِرُ البائع على تغييره، فالطارئ أَوْلَى بالعجز عنه.
بَابُ مَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالطَّلاَقِ
[1183] أَبُو هُرَيْرَةَ، قال رسول الله *: =تَجَاوَزَ اللهُ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَكَلَّمْ بِهِ، أَوْ تَعْمَلْ بِهِ+.
العارضة:
إن الله خَلَقَ القلوب سَيَّالَةً مُضْطَرِبَةً مع الخواطر، مَيَّالَةً إلى كل طارئ عليها: حَاضِرٍ أو غَائِبٍ، كان مُحَالاً أو جائزًا، حَقًّا أو باطلاً، معقولاً أو مستحيلاً ـ ولله الحكمة البالغة، والْحُجَّةُ على الْخَلْقِ الغالبة ـ ثم عَطَفَ بفضله، فَعَفَا عن كل ما يَخْطُرُ لِلْمَرْءِ على قلبه، مما ليس يَجْرِي على أمره، ولا يَكُونُ بِمُقْتَضَى شَرْعِهِ، حتى يَكُونَ به مرتبطًا، وعليه عازمًا، فحينئذ يَكُونُ به في نفسه مُتَكَلِّمًا ـ إذ هو الكلام الأصلي ـ ويُرِيدُ أن يَكُونَ به عاملاً، وذلك بِحَرَكَةِ اللسان بالإخبار عنه، فإنه عَمَلٌ عظيم، وهو يُسَمَّى أيضًا: قولاً. ولكن القول الحقيقي هو الموجود بالقلب، الْمُوَافِقُ لِلْعِلْمِ. فإن خَالَفَهُ، كان هَذَيَانًا، ونَعْنِي به: عِلْمَ القائل له الْمُتَكَلِّمِ به، لا عِلْمَ غيره؛ ولهذا الْمَعْنَى يَكُونُ مؤمنًا بقلبه، إذا عَزَمَ على ذلك، وصَرَمَ عقيدته عليه، وكذلك إذا كان الْكُفْرُ منه بهذه المنزلة، كان أيضًا كافرًا، واللسان مُعَبِّرٌ عما في القلب، والْحُكْمُ لِمَا يَنْعَقِدُ في القلب.
وهكذا جميع المعاني والتَّصَرُّفَاتِ، والرِّضَا والاختيارات، والإبَايَةِ والْكَرَاهِيَاتِ، إنما تَكُونُ بالقلب، ثم يُخْبِرُ اللسان عما يَسْتَقِرُّ به، فَيَقَعُ الْعَمَلُ على ذلك فيه، فما كان من التَّصَرُّفَاتِ مِنَ اثْنَيْنِ، لم يَكُنْ بُدٌّ من ظهور القول؛ لِيَجْرِيَ الاتفاق بينهما فيه به، وما كان يَمْلِكُهُ الواحد، كَالنَّذْرِ والْعِتْقِ والطلاق، فإنه يَكْفِي فيه عَزْمُهُ وقَوْلُهُ وحَزْمُهُ في قلبه
بكلامه النفسي الحقيقي، فَيَنْفُذُ عليه. كذلك رَوَى أَشْهَبُ عن مَالِكٍ. ولقد وَفَّى فيه الْحَقِيقَةَ حَقَّهَا، ووَزَنَ للشريعة قِسْطَهَا، وأَقَامَ لاعتقاد أهل السُّنَّةِ وُفْقَهَا.
وقال سائر العلماء: إنه لا يَكُونُ حُكْمٌ من الأحكام مَنُوطًا إلا بظاهر الكلام. ويَلْزَمُ على ذلك الْكُفْرُ والإيمان، ولهم بينهما فُرُوقٌ، ليس لها تحقيق، فَدُونَكُمُ الْمَسْأَلَةَ، فَفَرِّقُوا وحَقِّقُوا، لعل الله أن يَفْتَحَ لكم في تفريق، تَكُونُونَ به مع ذلك الفريق، بِعَوْنِ الله ورحمته.
بَابُ الْجِدِّ وَالْهَزْلِ فِي الطَّلاَقِ
[1184] يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله *: =ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّجْعَةُ+. حَسَنٌ غريب.
الإسناد:
رُوِيَ فيه: =وَالْعِتْقُ+. ولم يَصِحَّ شيء منه.
ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أنه قال: =ثَلاَثٌ هَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالْعَتَاقُ+.
وقد رَوَى عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عن عَمْرٍو، عن الحَسَنِ في الباب أيضًا: =وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَنْكِحُونَ، وَيُطَلِّقُونَ، وَيَعْتِقُونَ، وَيَقُولُونَ: هَزَلْنَا. فَأَنْزَلَ اللهُ: × xwur (#ےr ن9د Fs? د M"t'#u ن اللَّهِ # Yrâ èd÷+.
ويُعَضِّدُهُ قوله: רbخ) اللَّهَ ôM ن. âگك Dù't' أَنْ (# qçtr2 ُ9 s? بَقَرَةً قَالُوا $ tR ن9د Gs?r& #Yrâ èd قَالَ èRq مم r&
"! $$ خ/ أَنْ أَكُونَ مِنَ aْüخ=خ g"pg ّ: $#÷. فَجَعَلَ الْهُزُؤَ في الدِّينِ جَهْلاً، ولن يَلْحَقَ الْجَهْلُ إلا بأهله، ولا (يَبُوءُ مُرْتَكِبُهُ إلا بِكَلِّهِ). ولم يَصِحَّ فيه شيء.
(العارضة فيه):
قال علماؤنا: قال عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ: لا يَجُوزُ نكاح هَزْلٍ ولا لَعِبٍ، ويُفْسَخُ قبل الْبِنَاءِ وبعده.
وعن ابْنِ الْقَاسِمِ ما هو أنه لا يَلْزَمُ نكاح الْهَازِلِ.
وقال أَبُو بَكْرِ بْنُ اللَّبَّادِ من أصحابنا: هو لازم. وبه قال الشَّافِعِيُّ وأَبُو حَنِيفَةَ، وعَطَاءٌ. ويُؤْثَرُ عن عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ. ويُرْوَى عن الضَّحَّاكِ، وزَادَ فيه: =النَّذْر+. وقال به عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وأَسْنَدَهُ مَعْمَرٌ، عن قَتَادَةَ، عن الحَسَنِ، عن أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ وَالعِتْقِ.
قال الإمام الحافظ: وتحقيقه أن النكاح يَبْطُلُ؛ فإن الفَرْجَ مُحَرَّمٌ، فلا يَحِلُّ إلا بِدِينٍ ونِيَّةٍ، وعلى طريق من الشريعة سَوِيَّةٍ، وذلك يَقْتَضِي أن يَلْزَمَ الطلاق لأَحدٍ إذا تَلاَعَبَ به، خَرَجَ عن يَدِهِ؛ لاحتمال أن يَكُونَ صحيحًا، أو سَقِيمًا، والفَرْجُ تُغَلَّبُ فيه الحَوْطَةُ، والْعِتْقُ مِثْلُهُ؛ لِمَا فيه مِنَ اعْتِبَادِ الْمُحَرَّرِ بِالشَّكِ، والنَّذْرُ عِبَادَةٌ، فإذا سَخِرَ فيها، تَعَيَّنَ في ذِمَّتِهِ فِعْلُهَا، والله أعلم.
بَابٌ فِي الْخُلْعِ
[1185] ذَكَرَ حديث سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ: =أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ *، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ *، (أَوْ أُمِرَتْ) أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ+.
[1185ـ م] وذَكَرَ عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: =أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ * أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ+.
[1186] وذَكَرَ ما جَاءَ في الْمُخْتَلِعَاتِ حَدِيثَ ثَوْبَانَ: =إنَّ الْمُخْتَلِعَاتِ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ+.
[1187] و: =أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاَقًا مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ، لَمْ تَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ+.
الإسناد:
هذا باب لم يَصِحَّ فيه شيء، خَرَّجَ الْمُصَنِّفُونَ وأَرْبَابُ الْمَسَانِيدِ هذه الأحاديث الثلاثة.
وزَادَ النَّسَائِيُّ: =الْمُنْتَزِعَاتُ وَالْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ+.
وذَكَرَ هو وأَبُو دَاوُدَ حديث جَمِيلَةَ زَوْجِ ثَابِتٍ: =أَنَّهَا أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ * أَنْ تَتَرَبَّصَ بِحَيْضَةٍ+.
وصَحِيحُ هذا الحديث في شَأْنِ رُبَيِّعٍ أنه أَمْرٌ جَرَى لها في قِصَّتِهَا وقِصَّةِ عَمَّهَا، ومَجِيئِهِمَا إلى عُثْمَانَ، ونَصُّهُ في =الْمُوَطَّأِ+ مَحْذُوفٌ. وتَمَامُهُ من رواية اللَّيْثِ وغيره، عن نَافِعٍ، أنه سَمِعَ الرُّبَيِّعَ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، تُخْبِرُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ: =أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فِي زَمَانِ عُثْمَانَ، فَجَاءَ عَمُّهَا مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ مَعَهَا إلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: إنَّ ابْنَةَ مُعَوِّذٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا، أَفَتَنْتَقِلُ؟ قَالَ عُثْمَانُ: تَنْتَقِلُ، وَلاَ مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا، وَلاَ عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ لاَ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً؛ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ بِهَا حَمْلٌ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: عُثْمَانُ خَيْرُنَا وَأَعْلَمُنَا+.
قال في =الْمُوَطَّأِ+: قال نَافِعٌ: وقال عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: =عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ+.
وقد رَوَى ابْنُ بُكَيْرٍ والْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن جُمْهَانَ مَوْلَى الأَسْلَمِيِّينَ، عن أُمِّ بَكْرَةَ الأَسْلَمِيَّةِ: =أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَيْدٍ، فَأَتَيَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: هِيَ طَلْقَةٌ، إلاَّ أَنْ تَكُونَ سَمَّيْتَ شَيْئًا، فَهْوَ مَا سَمَّيْتَ+.
فهذا ما رُوِيَ وجَرَى، والله أَعْلَمُ بِصِحَّةِ الحال فيه.
الأحكام:
في ثَلاَثَ عَشَرَةَ مَسْأَلَةً:
الأولى: الخُلْعُ أصل في الشريعة، أصله حديث جَمِيلَةَ أُخْتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ زَوْجِ ثَابِتٍ، جَاءَتِ النَّبِيَّ * فقالت: =يَا رَسُولَ اللهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لاَ أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ، وَلاَ دِينٍ، وَلَكِنْ لاَ أُطِيقُهُ، وَأَخَافُ الْكُفْرَ فِي الإسْلاَمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ *: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ *: اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً+.
قال الإمام الحافظ: وذلك من قول الله ـ سبحانه وتعالى ـ: × xxsù جُنَاحَ $ yJ حkِ} n=t م $ uK9 د ù ôNy0tG ّ ù$# ¾ دmخ/÷. عند خوف التقصير في حدود الله، فحديث جَمِيلَةَ مُطَابِقٌ لِلْمَعْنَى الذي في كتاب الله سبحانه. وقَدِ اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عن بَكْرَةِ أَبِيهَا على أن الخُلْعَ يَجُوزُ مع استقامة الحال، فلا يُلْتَفَتُ إلى نَزَعَاتِ الجُهَّالِ. وإنما خَصَّ الله حالة خوف التقصير في الحدود بِالذِّكْرِ؛ لأنه الغالب في جَرَيَانِهِ، فإن أَعْطَتْهُ المرأة شيئًا منه، جَازَ بِطِيبِ نفسها، وإن لم يَكُنْ هنالك ضَرَرٌ، ولا خوف.
الثانية: شَرَطَ ابْنُ سِيرِينَ والْحَسَنُ في الْخُلْعِ حُكْمَ السلطان. وليس ذلك في القرآن، وما اتَّفَقَ بين جَمِيلَةَ وثَابِتٍ جَرَى مَجْرَى الاستفتاء عند الحاكم؛ ولذلك وَقَفَ الأمر على رِضَاهَا في إعطاء الحديقة.
الثالثة: لَمَّا قال النبي *: =أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ +. ظَنَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وإسْحَاقُ أن الْخُلْعَ لا يَجُوزُ بأكثر من الْمَهْرِ. وظَاهِرُ القرآن رَفْعُ الْجُنَاحِ فيما افْتَدَتْ به مُطْلَقًا، وما جَرَى في شأن جَمِيلَةَ وثَابِتٍ اتِّفَاقٌ وَقَعَ، لا يَدُلُّ على الاقتصار عليه بحال.
الرابعة: إذا وَقَعَ الْخُلْعُ، كان طلاقًا، قاله مَالِكٌ وغيره.
وقال الشَّافِعِيُّ في أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَكُونُ فَسْخًا.
والمسألة قديمة الخلاف قَبْلَهُمَا، وتَتَرَكَّبُ على هذا فائدة عندهم، وهي أنها تَعْتَدُّ بثلاثة أَقْرَاءٍ إن كان طلاقًا، وتَعْتَدُّ بِقُرْءِ إن كان فَسْخًا. وهي مسألةٌ ظَاهِرَةُ الْمُطَّلَعِ.
أما مُطَّلَعُهَا من كتاب الله، فإنها جَاءَتْ في شأن الطلاق حِكْمَةً.
وأما مُطَّلَعُهَا من جهة الْمَعْنَى؛ فلأنه أمر موقوف على اتِّفَاقِ الزَّوْجَيْنِ، لا غَلَبَةَ فيه من الإمام، وليس هذا حُكَمَ الْفَسْخِ؛ ولأن الزوج أَخَذَ الْعِوَضَ على ما أَنْفَذَ، والذي له أن يُنْفَذَ ويُمْلَكَ الطَّلاَقُ، فأما الْفَسْخُ، فليس من مِلْكِهِ، ولا من حُكْمِهِ.
ومُطَّلَعُ الْفَسْخِ أن كل مَنْ عَقَدَ عَقْدًا، مَلَكَ حَلَّهُ، كالبيع والإجارة. وهذا الاطِّلاَعُ تَحْجُبُ عنه أمور، مُعْظَمُهَا أَمْرَانِ:
أحدهما: أنه لو كان فَسْخًا كالبيع والإجارة، لَمَا كان إلا بِالْمُسَمَّى.
الثاني: أن فَسْخَ النكاح جَعَلَ له الشرع طريقين:
أحدهما: الْحُكْمُ.
والثاني: الطلاق. وخُلِّيَ الْبَيْعُ إلى الاختيار، فَجَرَى كل أمر على ما قَرَّرَهُ عليه الشرع.
الخامسة: إذا كان طلاقًا، دَخَلَ تحت قوله تعالى:
× àM"s) ¯=s ـكJّ9$# ur a ئَء / u} tIt' بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ &نےrمچ è%÷.
السادسة: يَجُوزُ أن يَكُونَ الْعِوَضُ في الْخُلْعِ معدومًا كَثَمَرَةٍ، ومجهولاً كَعَبْدٍ آبِقٍ.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ بالمعدوم.
وقال الشَّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ بالمجهول. واتَّفَقُوا على جواز الْخُلْعِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وهو مجهول، وإذا جَازَ بالمجهول، جَازَ بالمعدوم إلى وجوده، والمسألة مُشْكِلَةٌ، وقد بَيَّنَّاهَا في موضعها.
السابعة: مَدَارَاةُ النِّسَاءِ أصل في الدِّينِ.
[1188] في الصحيح: =إنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ، إنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا، كَسَرْتَهَا، وَإنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا، اسْتَمْتَعْتَ بِهَا عَلَى عِوَجٍ، وَكَسْرُهَا طَلاقُهَا+.
وفي الصحيح ـ واللفظ لِمُسْلِمٍ ـ: =لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً؛ إنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا، رَضِيَ آخَرَ+.
والغالب من النِّسَاءِ قِلَّةُ الرِّضَا والصَّبْرِ، فَهُنَّ يَنْشُزْنَ على الرجال كثيرًا، ويَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ؛ فلذلك سَمَّى رَسُولُ الله * الْمُنْتَزِعَاتِ أَنْفُسَهُنَّ من النكاح والْخَالِعَاتِ لِرِبْقَتِهِ مُنَافِقَاتٍ. والنِّفَاقُ كُفْرٌ، فهذا اللفظ يُعَضِّدُهُ لَفْظُ الحديث الصحيح في نِسْبَتِهِنَّ (إلى كُفْرَانِ الْعَشِيرِ.
الثامنة: قوله: =لَمْ تَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ+. وَعِيدٌ عظيم، لا يُقَابِلُ) طَلَبَ المرأة الخروج من النكاح، ولم يَصِحَّ.
التاسعة: أما قول عُثْمَانَ: =لاَ عِدَّةَ عَلَيْهَا+. فقد تَقَدَّمَ القول فيه.
وأما قوله: =وَلاَ مِيرَاثَ+. فصحيح؛ لأنها ليست بزوجة، ولا له
عليها رَجْعَةٌ، فَصَارَتْ أَجْنَبِيَّةً.
العاشرة: إن سَمَّى في الْخُلْعِ طلاقًا، فهو ما سَمَّى. وإن لم يُسَمِّ، كانت وَاحِدَةً بأن يقول: قد فَارَقْتُكِ على هذا.
الحادية عشرة: ليس قَبُولُهُ في الْخُلْعِ لِلْعِوَضِ بطلاق، حتى يُصَرِّحَ به؛ لقوله في الحديث: =فَرَدَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا+. ولا رَجْعَةَ له عليها.
وقال أَبُو ثَوْرٍ: إن لم يُصَرِّحْ بالطلاق انْقَطَعَتْ، وإن صَرَّحَ بالطلاق بَقِيَتْ؛ لأن حُكْمَ الواحدة في النكاح أن تَتَّصِلَ بها الرَّجْعَةُ.
قلنا: قد قال النبي * لِثَابِتٍ في جَمِيلَةَ ـ وقِيلَ: حَبِيبَةُ ـ: =اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً+. وامْتَثَلَ ما قال رسول الله *، ولو كان له عليها رَجْعَةٌ، لَمَا أَفَادَهَا الْفِدَاءُ شيئًا، وذلك مُحَالٌ عَادَةً وشرعًا، ولكان إبطالاً لِتَسْمِيَتِهِ فِدَاءً، وكيف يَبْقَى الْخِيَارُ لِلْمُفَادِي في الأَسِيرِ بعد الْفِدَاءِ؟! أَمَا إنَّهُ يَتَّصِلُ بهذا فَرْعٌ طَرِيفٌ ـ هي
المسألة الثانية عشرة ـ: إذا خَالَعَهَا، وشَرَطَ الرَّجْعَةَ عليها.
فقال الشَّافِعِيُّ: الْخُلْعُ باطل، ويَقَعُ الطلاق، وتَثْبُتُ الرَّجْعَةُ، ويَرُدُّ ما أَخَذَ منها.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ خُلْعًا، ولا رَجْعَةَ له.
وبه قال علماؤنا. وقال بعضهم: يَصِحُّ الْخُلْعُ، وتَكُونُ له الرَّجْعَةُ، ويَكُونُ شراؤها وَارِدًا على الطلاق، وله قَابِلِ الْعِوَضَ.
وقال الْمُزَنِيُّ: الْخُلْعُ صحيح، وتَسْقُطُ الرَّجْعَةُ، ويَكُونُ له عليها مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَجْهُ الأول: أنه خُلْعٌ فاسد، فَسَقَطَ ما سَقَطَ منه، ويَثْبُتُ ما يَصِحُّ أن
يَثْبُتَ.
ووَجْهُ القول بأنه يَنْفُذُ الْخُلْعُ، ولا رَجْعَةَ له: لأن الرَّجْعَةَ حَقُّ الله، فلا تَسْقُطُ بِشَرْطٍ، ويَكُونُ باطلاً؛ فَإنَّ كُلَّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ بَاطِلٌ.
ووَجْهُ الثالث: أنه يُحْمَلُ على أنها نَقَّصَتْ على نفسها عدد الطلاق، وتَبْقَى الرَّجْعَةُ.
ووَجْهُ قول الْمُزَنِيِّ: أنه لَمَّا شَرَطَ عليها الرَّجْعَةَ، وأَسْقَطَهَا الشرع، فَاتَهُ من قِبَلِهَا الْبُضْعُ، فَوَجَبَ عليها قِيمَتُهُ.
وهذا مَرْمًى بعيد، فإن كل ما أَسْقَطَ الشرع مما لا يَجُوزُ لا يَلْزَمُ (ممن اشترطه) قيمته، وفي ذلك نَظَرٌ طويل، موضعه كُتُبُ التفريع.
المسألة الثالثة عشرة: قوله: =إنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ+. يَحْتَمِلُ الحقيقة؛ فقد رُوِيَ: =أَنَّ آدَمَ نَامَ، فَانْتُزِعَ ضِلَعٌ مِنْ أَضْلاَعِهِ الْيُسْرَى، فَخُلِقَتْ مِنْهُ حَوَّاءُ، فَلَمَّا أَفَاقَ، وَجَدَهَا إلَى جَانِبِهِ، فَلَمْ يَنْفُرْ وَاسْتَأْنَسَ؛ لأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْهُ+. فلذلك صَارَتِ الأضلاع الْيُسْرَى تَنْقُصُ عن الْيُمْنَى واحدًا.
ويَحْتَمِلُ الْمَجَازَ، الْمَعْنَى: خُلِقَتْ من شيء مُعْوَجٍّ صُلْبٍ، فإن أَرَدْتَ تقويمها، كَسَرْتَهَا، وإن تَمَتَّعْتَ بها على حالها، تَمَتَّعْتَ بشيء مُعْوَجٍّ فيما يُمْكِنُ أن يَصْلُحَ فيه، فقد يَصْلُحُ الْمُعْوَجُّ في وَجْهٍ، وَلِمَعْنًى، على اعْوِجَاجِهِ، أَلاَ تَرَى أن الإنسان لَمَّا خُلِقَ من حَمَأٍ مَسْنُونٍ، كان مُتَغَيِّرَ الأحوال، مُنْتِنَ الذَّاتِ، وربما كان مُنْتِنَ الأفعال، (دَفْرًا زافرًا)، قليلاً تَرَاهُ ذَفِرًا، وقد رُوِيَ الحديث بِاللَّفْظَيْنِ في الصحيح، رُوِيَ: =إنَّ الْمَرْأَةَ كَالضِّلَعِ+. كما ذَكَرَهُ أَبُو عِيسَى آنِفًا، ورُوِيَ: =إنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ+. والتأويلان قد تَقَدَّمَا.
وقد رَوَى الْحَارِثُ فيه: =إنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا، كَسَرْتَهَا، فَدَارِهَا تَعِشْ بِهَا+. والله أعلم.
بَابُ الرَّجُلُ يَسْأَلُهُ أَبُوهُ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ
[1189] رَوَى عن حَمْزَةَ، عن أَبِيهِ ابْنِ عُمَرَ قال: =كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا، وَكَانَ أَبِي يَكْرَهُهَا، فَأَمَرَنِي أَنْ أُطَلِّقَهَا، فَأَبَيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ *، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ، طَلِّقِ امْرَأَتَكَ+.
انْفَرَدَ به ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عن حَمْزَةَ.
ورَوَاهُ أَبُو عِيسَى عن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن ابْنِ الْمُبَارَكِ، عنه. فَصَحَّ وثَبَتَ.
العارضة:
إن أول مَنْ أَمَرَ ابْنَهُ بطلاق امرأته الْخَلِيلُ إبْرَاهِيمُ *، رُوِيَ في الصحيح: = (أَنَّهُ لَمَّا وَضَعَ) تَرِكَتَهُ إسْمَاعِيلَ (ابْنَهُ وَأُمَّهُ عِنْدَ) دَوْحَةٍ بِإزَاءِ زَمْزَمَ وَانْصَرَفَ، أَقَامَ أَعْوَامًا، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي أَنْ يُطَالِعَ تَرِكَتَهُ، فَجَاءَ فَأَلْفَى أُمَّ إسْمَاعِيلَ قَدْ مَاتَتْ وَإسْمَاعِيلَ قَدْ تَزَوَّجَ، وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا بِمَنْزِلِهِ، (فَسَأَلَ زَوْجَهُ عَنْ حَالِهِمْ)، فَلاَمَتْهَا، فَقَالَ: إذَا جَاءَ إسْمَاعِيلُ، فُقُولِي لَهُ: يُبَدِّلُ عَتَبَةَ بَيْتِهِ. فَجَاءَ إسْمَاعِيلُ، فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ: ذَاكَ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي بِفِرَاقِكِ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ+. وذَكَرَ الحديث.
وكَفَى به أُسْوَةً وقُدْوَةً، ومِنْ بِرِّ الابْنِ بَأَبِيهِ أن يَكْرَهَ مَنْ كَرِهَ أَبُوهُ، وإن كان له مُحِبًّا قَبْلُ، ويُحِبَّ مَنْ (أَحَبَّ أَبُوهُ)، وإن كان له كارهًا مِنْ قَبْلُ، بَيْدَ أن ذلك إذا كان الأَبُ من أهل الدِّينِ والصلاح، يُحِبُّ في الله، ويُبْغِضُ في الله، ولم يَكُنْ ذا هَوًى وهَوَادَةٍ، أو على غير بَصِيرَةٍ.
فإن لم يَكُنْ كذلك، اسْتُحِبَّ له فِرَاقُهَا لإرضائه، ولم يَجِبْ عليه كما
يَجِبُ في الحالة الأولى، فإنَّ طاعة الأَبِ في الْحَقِّ من طاعة الله، وبِرُّهُ مِنْ بِرِّهِ.
ولو أن الزوجة لا (تُوَاتِي بَنِي) الزوج، لاَسْتُحِبَّ له فِرَاقُهَا، إذ معنى الزوجية القيام على الزوج وبَيْتِهِ، أَلاَ تَرَى إلى قول جَابِرٍ إذ سَأَلَهُ النبي *، فقال له: =أَبِكْرًا تَزَوَّجْتَ أَمْ ثَيِّبًا؟ قَالَ: بَلْ ثَيِّبًا. قَالَ: هَلاَّ بِكْرًا؛ تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ! قَالَ: إنَّ أَبِي تَرَكَ لِي تِسْعَ أَخَوَاتٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُضِيفَ إلَيْهِنَّ مِثْلَهُنَّ، وَأَرَدْتُ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِنَّ+.
بَابُ لاَ تَسْأَلِ المَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا
[1190] ذَكَرَ حديث سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ به النَّبِيَّ *: =لاَ تَسْأَلِ المَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا؛ لِتَكْفِئَ مَا فِي إنَائِهَا+.
العارضة:
قال الإمام الحافظ: هذا الحديث من أصول الدِّينِ في السُّلُوكِ على مَجَارِي القَدَرِ بالأفعال، إذ يَعْلَمُ العبد بالاعتقاد أن كل شيء عنده بمقدار، وقضاء وقَدَرٍ، وفي كتاب مُسْتَطَرٍ، وذلك لا يُنَاقِضُ العَمَلَ في الطاعات، ولا يَمْنَعُ من التَّحَرُّفِ في الاكْتِسَابَاتِ، واخْتِزَانِ الأقوات، والنَّظَرِ لِغَدٍ، وإن كان لا يَتَحَقَّقُ أن يَبْلُغَهُ، لكن بحيث لا يَخْرُجُ عن سبيل السُّنَّةِ، ولا يَدْخُلُ في المكروه والبِدْعَةِ، ولا يَرْكَبُ إلى أحد على مَطِيَّةٍ مُضِرَّةٍ، ولا يَرْبِطُ عليها نِيَّةً، ولا يَسْتَقْبِلُهَا في ثَنِيّة.
ومن شأن النِّسَاءِ بما رُكِّبْنَ عليه من الغَيْرَةِ طَلَبُ الانفراد بالزوج دون الضَّرَّةِ، فإن كان ذلك من النِّيَّةِ رَغْبَةً في الاسْتِبْدَادِ بِالصُّحْبَةِ، والانفراد بالمعاشرة، فذلك مأذون فيه، وإن كان لأَجْلِ الْمُضَايَقَةِ في الْكِسْوَةِ والنَّفَقَةِ، فذلك ممنوع منه، وفيه قال النبي * في الحديث الصحيح: =لاَ تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا؛ لِتَكْفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا، وَلْتَنْكِحْ؛ فَإنَّ لَهَا
مَا قُدِّرَ لَهَا+.
فَمَنَعَهَا إذا خُطِبَتْ مِنْ أن تقول: لا أَتَزَوَّجُ إلا بِشَرْطِ أن يُفَارِقَ التي عنده؛ رَغْبَةً في حَظِّهَا من الْمَعِيشَةِ؛ لِتَزْدَادَ بها في مَعِيشَتِهَا، فإن الرِّزْقَ وإن كان مكسوبًا، فإنه قد فُرِغَ منه مكتوبًا، فلا تَطْلُبْ منه ما عند غَيْرِكَ؛ لِتَتَكَثَّرَ به ما عندك (أو ما) تَسْتَأْنِفُهُ لنفسك، ويَجُوزُ للمرأة الدَّاخِلَةِ أن تَمْنَعَ الْخَارِجَةَ من الدخول، وتَقُولَ للزوج: لا تَنْكِحْهَا؛ فإنها تُضَايِقُنَا في مَعِيشَتِنَا. وتَمْنَعَهَ منها بهذه النِّيَّةِ؛ لأنها لم تَطْلُبْ من حَظِّ تلك شيئًا، وإنما كَرِهَتْ أن تُشَارِكَهَا في حَظِّهَا، وذلك لا يُنَاقِضُ الْقَدَرَ، ولا يُمْنَعُ قَصْدُهُ في الشرع من باب الحلال والحرام والْكَرَاهِيَةِ والتحذير.
ويَجُوزُ لها أن تَشْتَرِطَ عليه الاسْتِبْدَادَ بها في المُتْعَةِ، أَلاَ تَرَى إلى قُوَّةِ قَوْلِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ حين عَرَضَتْ على رسول الله * نكاح أُخْتِهَا، وقالت: =إنِّي لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي+. فَتَمَنَّتِ الإخْلاءَ به دون كل زوجة، لو اتَّفَقَ ذلك لها.
ولا يَجُوزُ أن يَشْتَرِطَ لها أن كل مَنْ يَدْخُلُ عليها طالق؛ لأن بدخولها عليها قد صَارَتْ أُخْتًا لها، فلا تَسْأَلُ طلاقها، وإنما لها أن تَشْتَرِطَ أن تَتَأَخَّرَ عن ذلك، وإذا شَرَطَهُ لها، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ به؛ لقوله *: =إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوفَى بِهِ مَا اسْتُحِلَّتْ بِهِ الْفُرُوجُ+.
بَابُ طَلاَقِ الْمَعْتُوهِ
[1191] ذَكَرَ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي *: =كُلُّ طَلاَقٍ جَائِزٌ، إلاَّ طَلاَقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ+. وضَعَّفَهُ من جِهَةِ رَاوِيهِ عَطَاءِ بْنِ عَجْلانَ.
الْمَعْتُوهُ: هو الْمُغْلُوبُ على عَقْلِهِ الذي لا يَتَحَصَّلُ شيء من أمره.
وقد أَصْفَقَ الْكُلُّ على سقوط أَثَرِ قوله شرعًا، ولكن يُحَاوِلُ له وَلِيُّهُ أَمْرَهُ كُلَّهُ، إن كان له وَلِيُّ، وإلا =فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ+.
وفي حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: وَجَدْنَا في كِتَابِ جَدِّي عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قال: =إذَا عَبِثَ الْمَعْتُوهُ بِامْرَأَتِهِ، طَلَّقَ عَنْهُ وَلِيُّهُ+. وهذا لا يَكُونُ إلا للسلطان خاصة. وهو في ذلك بخلاف الْمَجْنُونِ الذي يُجَنُّ مَرَّةً، ويُفِيقُ أخرى، فإنه في حال جُنُونِهِ ساقط القول، وفي حال إفَاقَتِهِ مُعْتَبَرُ القول، إلا أن يَغْلِبَ الصَّرْعُ عليه غَلَبَةً تُعَتِّهُهُ، فَيُلْحَقُ بالأول.
بَابُ الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ
[1192ـ م] خَرَّجَ حديث عُرْوَةَ، عن النبي *: =كَانَ النَّاسُ وَالرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ مَا شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَهْيَ امْرَأَتُهُ إذَا ارْتَجَعَهَا، وَهْيَ فِي الْعِدَّةِ، وَإنْ طَلَّقَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ، حَتَّى قَالَ رَجُلٌ لامْرَأَتِهِ: وَاللهِ لاَ أُطَلِّقُكِ فَتَبِينِي مِنِّي، وَلاَ آوِيكِ أَبَدًا. قَالَتْ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: أُطَلِّقُكِ، فَكُلَّمَا هَمَّتْ عِدَّتُكِ أَنْ تَنْقَضِيَ، رَاجَعْتُكِ. فَذَهَبَتِ الْمَرْأَةُ، حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا، فَسَكَتَتْ عَائِشَةُ، حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ *، فَأَخْبَرَتْهُ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ *، حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: ×ك," n=© ـ9$# مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ 7 x' خ} ô£s? 9`"|، ôm خ*خ/÷. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَاسْتَأْنَفَ النَّاسُ الطَّلاَقَ مُسْتَقْبَلاً، مَنْ كَانَ طَلَّقَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَلَّقَ+.
[1192] وأَسْنَدَهُ عن عَائِشَةَ، وقال: إن الْمُرْسَلَ أَصَحُّ.
قال الإمام الحافظ: كان النكاح في الجاهلية معلومًا، وكان الطلاق معلومًا، والظِّهَارُ معلومًا، ثم بَعَثَ الله مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، فَأَوْضَحَهُ بشرائعه، ورَتَّبَهُ بأحكامه، وأَزَاحَ الباطل عنه بأوصافه، وأَنْزَلَ الآيَةَ المذكورة في
إثبات التطليقات الثلاث مما كان يَفْعَلُهُ الناس، وإسقاط الباقي الذي كانوا يَزِيدُونَ عليها، ثم بَيَّنَ كيفية وقوع الطلاق، بحيث لا يَكُونُ فيه على المرأة ضَرَرٌ.
وفي حديث ابْنِ عُمَرَ (إذا صل وضعه) ثَلاَثًا كَانَ لِرَفْعِ الضَّرَرِ عَلَى النِّسَاءِ، حسبما بَيَّنَهُ هذا الحديث، ثم كان الرجل في طلاقه الذي وُضِعَ إليه على صَيْرٍ من امرأته، إنِ اتَّقَى الله والْتَزَمَهُ، جَعَلَ الله له مَخْرَجًا، وإن خَالَفَهُ فيه وعَصَاهُ، أُلْزِمَ من ذلك ما الْتَزَمَ، وحُمِّلَ من الْحُكْمِ ما تَحَمَّلَ، والله يَحْكُمُ فيه، على ما تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
بَابُ عِدَّة الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَضَعُ
[1193] [1193ـ م] ذَكَرَ حديث حَبَّةَ أَبِي السَّنَابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ ابْنِ السَّبَّاقِ قال: =وَضَعَتْ سُبَيْعَةُ الأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِثَلاَثَةٍ وَعِشرِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَعِشرِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا تَعَلَّتْ، تَشَوَّفَتْ لِلنِّكَاحِ، فَأُنْكِرَ عَلَيْهَا ذَلِكَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ *، فَقَالَ: إنْ تَفْعَلْ، فَقَدْ حَلَّ أَجَلُهَا+.
قال أَبُو عِيسَى: =لا نَعْرِفُ لِلأَسْوَدِ سَمَاعًا من أَبِي السَّنَابِلِ+. وقال عن الْبُخَارِيِّ أنه قال: =لا أَعْرِفُ أنه عَاشَ بعد النبي *+.
[1194] وعَقَّبَهُ بالحديث الصحيح عن أُمِّ سَلَمَةَ في سُبَيْعَةَ بِعَيْنِهِ، وأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كان يقول: =تَعْتَدُّ آخِرَ الأَجَلَيْنِ+. الْوَضِعِ، أوِ الأَشْهُرِ والْعَشْرِ. فأيهما كان بعد صاحبه، كان الْحُكْمُ له، حتى بَيَّنَ النبي * الأمر، فَسَقَطَ ما كان نَظَرَ فيه ابْنُ عَبَّاسٍ، والله الْمُوَفِّقُ.
وقد بَيَّنَ الْبُخَارِيُّ أن سُبَيْعَةَ هذه كانت مِنْ أَسْلَمَ، وأن أَبَا السَّنَابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ خَطَبَهَا بعد وفاة زوجها.
بَاب في عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا
[1195ـ 1196ـ 1197] ذَكَرَ أحاديث زَيْنَبَ الثلاثة، حسبما ذَكَرَهَا الأئمة. وهو أصل هذا الباب الذي يُعَوَّلُ عليه فيه.
الإسناد:
ثَبَتَ في الصحيح ـ واللفظ لِلْبُخَارِيِّ ـ: أن شُعْبَةَ قد سَمِعَ هذا الحديث من حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، خَرَّجَهُ عنه في الباب بِعَيْنِهِ.
وفَاتَ مَالِكًا سَمَاعُهُ منه، حتى خَرَّجَهُ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عنه.
العربية:
الإحْدَادُ: هو الْمَنْعُ فيها، فالمرأة تَمْنَعُ نفسها مما كانت تَتَهَيَّأُ به لزوجها من تَعَطُّرٍ وتَزَيُّنِ، وتَتَسَلَّبُ بَعْدَهُ، يقال: أَحَدَّتِ المرأة، فهي مُحِدٌّ، وحَدَّتْ، فهي حَادٌّ.
الأحكام:
في مسائل:
الأولى: أن الإحْدَادَ فَرْضٌ على الْمُتَوَفَّى زَوْجُهَا بإجماع من الأُمَّةِ، ويُؤْثَرُ عن الْحَسَنِ أنه لا يَلْزَمُهَا الإحْدَادُ. ولم يَصِحَّ، والحديث الصحيح مُتَّفَقٌ على رُوَاتِهِ دليل على وجوبه.
الثانية: لا إحْدَادَ على الْمُطَلَّقَةِ، خلافًا لأَبِي حَنِيفَةَ، وأَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنه وَجَبَ في الْمُتَوَفَّى عنها عبادة، فلا تُحْمَلُ عليها الْمَبْتُوتَةُ؛ لأنها ليست في معناها.
قالوا: وَجَبَ الإحْدَادُ حَقًّا لله في الْوَفَاةِ؛ بَيَانًا لِخَطَرِ حُرْمَةِ الزوجية، إذ حُرْمَةُ الحياة لا تُوجِبُ إحْدَادًا أكثر من ثلاثة أيام، وفَوْتُ الزوجية بالطلاق أكثر من فَوْتِ الحياة للقريب، فَقُدِّرَ بأكثر من ثلاثة أيام؛ حَمْلاً
على فَوْتِ الزوجية في الْوَفَاةِ.
قلنا: عنه جَوَابَانِ:
أحدهما: أن الْمَعْنَى هنالك فَوْتُ الزوج، لا فَوْتُ مُجَرَّدِ الزوجية، فلا يُحْمَلُ الْفَرْعُ على بعض الأصل.
الثاني: أنه يُحْمَلُ فَرْعٌ على أصل إذا عُقِلَ معناه.
الثالثة: قوله: =لاَ يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ+. يَقْتَضِي اقتصاره على المؤمنات دون الْكِتَابِيَّاتِ.
وقال الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ على الذِّمِّيَّةِ. وهو أحد قَوْلَيْ مَالِكٍ؛ لأنه من تَوَابِعِ الْعِدَّةِ فَلَزِمَهَا، كَالسُّكْنَى وعَدَمِ النكاح.
قلنا: السُّكْنَى والتَّرَبُّصُ وَرَدَ عَامًّا، والزِّينَةُ وَرَدَتْ خاصة، فَحَمْلُهَا على ما وَرَدَ عَامًّا إبطال للخصوص، فلا يَجُوزُ.
الرابعة: إذا قلنا: الذِّمِّيَّةُ تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ على الرِّوَايَةِ الواحدة، فحينئذ يَكُونُ الخلاف في الإحْدَادِ هل يَجِبُ، أم لا؟
وأما إذا قلنا: إنها تَعْتَدُّ بِالأَقْرَاءِ، فلا إحْدَادَ عليها؛ لأن النبي * قال: =إلاَّ عَلَى مَيِّتٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا+. فَرَبَطَ الْحِدَادَ بِالشُّهُورِ.
الخامسة: الإحْدَادُ على الصغيرة واجب، ويُلْزِمُهَا ذلك حَاضِنُهَا أو وَلِيُّهَا الذي يَنُوبُ عنها في أَدَاءِ لَوَازِمِهَا، كما يُجَنِّبُهَا محظورات الحَجِّ إذا حَجَّ بها، ويُؤَدِّي زكاة مالها، والعموم في الحديث يَقْتَضِي ذلك.
السادسة: الحِدَادُ واجب على الأَمَةِ كوجوبه على الحُرَّةِ.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: لا إحْدَادَ عليها.
وقال الثَّوْرِيُّ: عليها الإحْدَادُ إلا الخروج.
وعموم الحديث يَقْتَضِيهَا، وليس هنالك مانع يَمْنَعُ من ذلك، والحدود
تَتَبَعَّضُ فيها، ولا تَسْقُطُ عنها، وعليها محظورات الإحرام مُتَوَجِّهَةٌ، وعليها التَّرَبُّصُ واجب، وهي مؤمنة، فَتَعَيَّنَ الحِدَادُ من كل طريق.
السابعة: غَرِيبَةٌ.
قال ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لا تَحِدُّ امرأة المَفْقُودِ؛ لأنه ليس بموت، وإنما هو طلاق. وهو الصحيح الذي لا إشكال فيه، والله أعلم.
الثامنة: في اكْتِحَالِهَا.
لا تَكْتَحِلُ بشيء فيه طِيبٌ ولا زِينَةٌ من سَوَادٍ، قال ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: =أَوْ صُفْرَةٍ+. وليس الكُحْلُ الأَصْفَرُ بِزِينَةٍ، وإنما هو شَيْنٌ، إلا أن الشَّافِعِيَّ قال: إنِ احْتَاجَتْ، فَلْتَكْتَحِلْ بما لا زِينَةَ فيه. وهو أحد قَوْلَيْنَا.
وكذلك تَطْلِي وَجْهَهَا على مَعْنَى الدَّوَاءِ، لا على تَطَلُّبِ الزِّينَةِ، وقد رُوِيَ عن مَالِكٍ: أنها لا تَكْتَحِلُ وإنِ اشْتَكَتْ، في مَشْهُورِ قَوْلِهِ. ورُوِيَ عنه: أنها تَكْتَحِلُ عند الحاجة.
ولعل النبي * فَهِمَ منها طَلَبَ الرُّخْصَةِ، ولم تَتَحَقَّقِ الشَّكْوَى. فأما لو تَحَقَّقَتْ، فقد رُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ رَاوِيَةِ الحديث: =أَنَّهَا تَكْتَحِلُ بِكُحْلِ الجِلاَءِ بِاللَّيْلِ+.
وفي رواية ابْنِ المَوَّازِ عن مَالِكٍ: إنِ احْتَاجَتْ إلى الطِّيبِ، فَلْتَكْتَحِلْ به، ودِينُ الله يُسْرٌ.
ورُوِيَ عنه: تَكْتَحِلُ بالليل وتَمْسَحُ بالنهار من غير أن يَكُونَ فيه طِيبٌ.
وقد رَوَى مُسْلِمٌ في الصحيح عن أُمِّ عَطِيَّةَ، قال: =وَلاَ تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلاَ تَكْتَحِلُ، وَلاَ تَمَسُّ طِيبًا، إلاَّ إذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ+.
ورَوَى أَبُو دَاوُدَ عن أُمِّ سَلَمَةَ: =المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لاَ تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ، وَلاَ المُمَشَّقَةَ، وَلاَ الحُلِيَّ، وَلاَ تَخْتَضِبُ+.
و=دَخَلَ عَلَيْهَا (النَّبِيُّ *) حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، وَقَدْ جَعَلَتْ عَلَيْهَا صَبِرًا، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟! فَقَالَتْ: إنَّمَا هُوَ صَبِرٌ يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ. فَقَالَ: إنَّهُ يَشُبُّ الوَجْهَ، فَلاَ تَجْعَلِيهِ إلاَّ بِاللَّيْلِ، وَتَنْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ، وَلاَ تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ، وَلاَ بِالحِنَّاءِ؛ فَإنَّهُ خِضَابٌ. قُلْتُ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: بِالسِّدْرِ، تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ+.
قال الإمام الحافظ: فَنَهَى من الثياب عما فيه جمال، وأَذِنَ في العَصْبِ، وهو من غَلِيظِ ثياب اليَمَنِ. ونَهَى عن الكُحْلِ والطِّيبِ، إلا شيئًا يَسِيرًا من قُسْطٍ وأَظْفَارٍ عند التَّطَهُّرِ من الحَيْضَةِ، ونَهَى عن المُصَبَّغَاتِ؛ فإن لِلْعَيْنِ فيه أَثَرًا، وللنفس به تَعَلُّقًا، ونَهَى عما يَشُبُّ الوَجْهَ؛ ففيه زِينَةٌ، والذي يُتَزَيَّنُ له ويُتَجَمَّلُ قد تُوُفِّيَ، وغَيْرُهُ لا يُمَكَّنُ منه، فَحُبِسَتْ عن ذلك كله تَعَبُّدًا.
التاسعة: الحِفْشُ: الدُّرْجُ. شَبَّهَ به البَيْتَ الضَّيِّقَ.
العاشرة: =فَتَفْتَضُّ بِهِ+. أي: تَمْسَحُ به. قال مَالِكٌ: هو كَالنُّشْرَةِ.
وقال ابْنُ وَهْبٍ: تَمْسَحُ بِيَدَيْهَا عليه أو على ظَهْرِهِ.
وقِيلَ: تَتَمَسَّحُ به، حتى تَسْتَنْقِيَ كَالفِضَّةِ.
ومن العربية: الفَضَضُ: الماء الأبيض. ولِكَثْرَةِ الوَسَخِ عليها والنَّتْنِ؛ فَبِتَرْدِيدِ المَسْحِ وتكراره بها يَمُوتُ الطائر من كَثْرَةِ الوَسَخِ.
ورَوَى الْبُخَارِيُّ عن شُعْبَةَ: =أَنَّهَا تَقْعُدُ فِي شَرِّ أَحْلاسِهَا+.
والْحِلْسُ: كِسَاءٌ يُوضَعُ تحت الْبَرْذَعَةِ.
كِتَابُ الظِّهَارِ
بَابُ الْمُظَاهِر يُواقِعُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ
قال الإمام الحافظ أَبُو بَكْرِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ ": ليس في الظِّهَارِ حديث صحيح يُعَوَّلُ عليه.
أَمَا إنه رُوِيَ في ذلك حَدِيثَانِ:
أما أحدهما: فحديث خُوَيْلَةَ ـ أو خَوْلَةَ ـ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قالت: =ظَاهَرَ مِنِّي زَوْجِي أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ * أَشْكُو إلَيْهِ، وَرَسُولُ اللهِ * يُجَادِلُنِي فِيهِ، وَيَقُولُ: اتَّقِي اللهَ؛ فَإنَّهُ ابْنُ عَمِّكِ. فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: × ô0s% y ىد Jy" اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي y7 ن9د0" pgéB خ û $yg إ_÷ ry ÷. فَقَالَ: يُعْتِقُ رَقَبَةً. قَالَتْ: لاَ يَجِدُ. قَالَ: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. قَالَتْ: إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ، مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ. قَالَ: فَيُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا. قَالَتْ: مَا عِنْدَهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ. قَالَ: فَإنِّي سَأُعِينُهُ بَفَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا أُعِينُهُ (بِفَرَقٍ) آخَرَ. قَالَ: قَدْ أَحْسَنْتِ، اذْهَبِي فَأَطْعِمِي عَنْهُ بِهَا سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّكِ. قَالَ: و (الْفَرَقُ) سِتُّونَ صَاعًا+.
[1198] وأما الثاني: فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ: =أَنَّ الْمُظَاهِرَ يُوَاقِعُ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، يُكَفِّرُ كَفَّارَةً وَاحِدَةً+. عن سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَاضِيِّ.
ورَوَى التِّرْمِذِيُّ وأَبُو دَاوُدَ تَفْسِيرَهُ.
[1199] أَمَّا حديث التِّرْمِذِيِّ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
[1200] وأما حديث أَبِي دَاوُدَ ـ والتِّرْمِذِيِّ أيضًا ـ فَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ: =أَنَّهُ جَعَلَ امْرَأَتَهُ كَظَهْرِ أُمِّهِ، حَتَّى يَمْضِيَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا مَضَى
نِصْفُ رَمَضَانَ، وَقَعَ عَلَيْهَا لَيْلاً، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ *، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً. قَالَ: لاَ أَجِدُ. قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. قَالَ: لاَ أَسْتَطِيعُ. قَالَ: أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا. قَالَ: لاَ أَجِدُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ * لِفَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو: أَعْطِهِ ذَلِكَ (الْفَرَقَ) +. وقال: =لاَ تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ+.
والأَشْبَهُ أن أُوْسَ بْنَ الصَّامِتِ فيه نَزَلَتِ الآيَةُ، قالت امرأته خَوْلَةُ له حين ظَاهَرَ منها: =وَاللهِ مَا أَرَاكَ إلاَّ قَدْ أَثِمْتَ فِي شَأْنِي؛ لَبِسْتَ جِدَّتِي، وَأَفْنَيْتَ شَبَابِي، وَأَكَلْتَ مَالِي، حَتَّى إذَا كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَاحْتَجْتُ إلَيْكَ، فَارَقْتَنِي. قَالَ: مَا أَكْرَهَنِي لِذَلِكَ! اذْهَبِي إلَى رَسُولِ اللهِ *، فَانْظُرِي هَلْ تَجِدِينَ عِنْدَهُ شَيْئًا فِي أَمْرِكِ. فَذَهَبَتْ ـ قِيلَ: بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، وقِيلَ: بِنْتُ الدُّلَيْحِ ـ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهَا: حَرُمْتِ عَلَيْهِ. فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا إلَى السَّمَاءِ، فَقَالَتْ: إلَى اللهِ أَشْكُو حَاجَتِي إلَيْهِ. (وَعَائِشَةُ تَغْسِلُ شِقَّ رَأْسِهِ الأَيْمَنَ، فَعَادَتْ فَقَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ *، فَقَالَ: حَرُمْتِ عَلَيْهِ). ثُمَّ ذَهَبَتْ أَنْ تُعِيدَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: اسْكُتِي؛ فَقَدْ نَزَلَ الوَحْيُ، فَنَزَلَتِ الآيَاتُ فِي المَجَادَلَةِ+.
هكذا رَوَاهُ قَوْمٌ من الْمُفَسِّرِينَ وغيرهم، فَرَبُّكَ أعلم بالتفصيل، فأما الْجُمْلَةُ، فمعلومة في الباب.
[الأحكام:]
قال الإمام الحافظ: إذا ثَبَتَ هذا، فمسائله كثيرة، والْمُتَعَلِّقُ بما ذَكَرْنَا منها خَمْسُ مسائل:
الأولى: قال مُجَاهِدٌ: بِنَفْسِ الظِّهَارِ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ، ولا يُفْتَقَرُ في وجوبها إلى الْعَوْدِ.
وهذا ضعيف؛ لأن الله تعالى قال: × NèO tbr ك`qم èt'
$yJ د9 (#qن9$ s%÷. وهذه الأحاديث التي تَلَوْنَاهَا الْعَوْدُ فيها بَيِّنٌ؛ لأن التَّشَكِّيَ بما جَرَى وطَلَبَ الْخَلاَصِ منه هو الْعَوْدُ ـ وهي
المسألة الثانية ـ: وقد اخْتَلَفَ الناس فيه اختلافًا كثيرًا، أَحْكَمْنَاهُ في كتاب =الأحكام+. قال الْبُخَارِيُّ (في الآيَةِ): لا يَصِحُّ أن يَكُونَ الْعَوْدُ تَكْرَارَ الظِّهَارِ ـ كما تَوَهَّمَهُ بعض الأَغْمَارِ ـ إن الله لا يَدُلُّ على الْمُنْكَرِ من القول والزُّورِ.
وتَرَدَّدَ الناس هل هو الْوَطْءُ، أوِ الْعَزْمُ على الْوَطْءِ، أَوِ الإمْسَاكُ؟
وقال مَالِكٌ في =الْمُوَطَّأِ+: هو الْعَزْمُ على الْوَطْءِ والإمْسَاكِ. وهو الصحيح؛ لأن القول كان في التَّخَلِّي عن الزوجية، ثم عَادَ يَتَمَسَّكُ بها لِيَطَأَ، فكان ذلك عَوْدًا فيما زَعَمَ أنه لا يَكُونُ.
الثالثة: أن الْمُظَاهِرَ إذا وَطِئَ، لا تَتَكَرَّرُ عليه الْكَفَّارَةُ.
وقال مُجَاهِدٌ: عليه كَفَّارَتَانِ. ولا وَجْهَ له، لا من القرآن، ولا من السُّنَّةِ، والْعَجَبُ من مَيْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إلى ذلك مع فِقْهِهِ! وليس في قول النبي * لِلْمُظَاهِرِ ـ وقد وَقَعَ على امرأته من قبل أن يُكَفِّرَ ـ: =لاَ تَقْرَبْهَا، حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ+. دليل على شيء مما زَعَمُوا، بل هو ظاهر في أن عليه كَفَّارَةً واحدة، وقد قال قَوْمٌ ـ وهي
الرابعة ـ: إنه إذا وَطِئَ قبل أن يُكَفِّرَ، سَقَطَتْ عنه الْكَفَّارَةُ. والحديث نَصٌّ في إبطال قولهم؛ لأنه * قال (للذي وَقَعَ قبل أن يُكَفِّرَ: =لاَ تَقْرَبْهَا، حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ+.
الخامسة: قال في الْخَبَرِ: =إنَّ رَسُولَ اللهِ *) أَعَانَهُ (بِفَرَقٍ)، وَقَالَتْ أَهْلُهُ: وَأَنَا أُعْطِيهِ (فَرَقًا) +. وقال في حديث فَرْوَةَ: =أَعْطِهِ ذَلِكَ (الْفَرَقَ)، وَهْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، (أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ صَاعًا) +. قال التِّرْمِذِيُّ: هو
صحيح.
واخْتَلَفَ الناس في مقدار الإطعام، فقال الشَّافِعِيُّ: مُدٌّ بِمُدِّ النبي *.
وقال مَالِكٌ: مُدَّانِ بِمُدِّ النبي *.
وهذا خروج عن ظاهر الحديث، ولأن طُرُقَهُ لم تَصِحَّ، لم يَبْنِ عليه أحد مَذْهَبًا في هذه الزيادة؛ لأنها غير مُتَّفَقٍ عليها؛ في حديث فَرْوَةَ تَكُونُ تِسْعِينَ رَطْلاً، أو سِتَّةً وتِسْعِينَ رَطْلاً. وذلك أكثر من مُدٍّ بِمُدِّ النبي *، وأَقَلُّ من مُدَّيْنِ به، وإن أُضِيفَ إليه (فَرَقٌ) آخَرُ كما في حديث خَوْلَةَ، جَاءَ أَكْثَرَ من ذلك مَرَّتَيْنِ، وليس بقول لأحد.
و (الْفَرَقُ) في غير هذا الحديث =ثَلاَثَةُ آصُعٍ+. وذلك اثْنَا عَشَرَ مُدًّا بِمُدِّ النبي *. وإذا ضُوعِفَتْ، جَاءَتْ أَرْبَعَةً وعِشْرِينَ مُدًّا، ولم يَجُزْ أيضًا عند أحد، فَاضْطَرَبَتِ الرواية، واخْتَلَفَ مقدار الْمُسَمَّى، فَسَقَطَ، ولأَجْلِ هذا الاضطراب؛ أَعْرَضَ عنه أهل الصِّحَّةِ، وأَوْقَفُوا الأمر على مُجَرَّدِ ظاهر القرآن، وحَمَلُوهُ على العادة، والله أعلم.
بَابُ الإيلاَءِ
[1201] ذَكَرَ حديث مَسْلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عن عَامِرٍ، عن مَسْرُوقٍ، عن عَائِشَةَ قالت: =آلَى رَسُولُ اللهِ * مِنْ نِسَائِهِ، وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلاَلاً، وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ كَفَّارَةً+.
قال: وفي الباب عن أَنَسٍ. وعَلَّلَهُ بأن غير مَسْلَمَةَ رَوَاهُ عن الشَّعْبِيِّ مُرْسَلاً، وهو أَصَحُّ من حديث مَسْلَمَةَ.
الإسناد:
ثَبَتَ في الصحيح ـ واللفظ لِلْبُخَارِيِّ ـ عن عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عن عَائِشَةَ قالت: =كَانَ رَسُولُ اللهِ * يَشْرَبُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ،
وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ: أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا، فَلْتَقُلْ لَهُ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ. قَالَ: لاَ، وَلَكِنِّي شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، لاَ تُخْبِرِي أَحَدًا. يَبْتَغِي بِذَلِكَ مَرْضَاةَ أَزْوَاجِهِ+.
وفي كتاب مُسْلِمٍ: =أَنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ حَفْصَةَ+. والأول أَشْهَرُ، وكذلك رَوَاهُ أَشْهَبُ عن مَالِكٍ.
وقد رَوَى ابْنُ وَهْبٍ، عن مَالِكٍ، عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ـ مُرْسَلاً ـ قال: =حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ * أُمَّ إبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَاللهِ لاَ آتِيكِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ×$ pka0r'¯"t' النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ y7s9÷. الآيَةَ+.
ورَوَى نَحْوَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وفي الصحيح: =أَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ نِسَائِهِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ تَظَاهَرَتَا عَلَيْهِ، وَكَانَ آلَى مِنْهُنَّ شَهْرًا حِينَ أَكْثَرْنَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّكْوَى بِطَلَبِ الإنْفَاقِ+.
قال الإمام الحافظ: فَاجْتَمَعَتْ ثَلاَثُ قِصَصٍ:
التَّظَاهُرُ عليه في الشراب من الْعَسَلِ.
والإلْحَاحُ عليه في النَّفَقَةِ.
وما جَرَى له في شأن مَارِيَّةَ.
فَأَنْزَلَ الله السورة في الثَّلاَثَةِ الْمَعَانِي.
وبَقِيَ بعد هذا أن التحريم المذكور في السورة هل هو مُقْتَضَى الْيَمِينِ، أم هو مَعْنًى زائد عليها؟ فإن كان التحريم مُقْتَضَى الْيَمِينِ، فقوله تعالى: ×$ pka0r'¯"t' النَّبِيُّ لِمَ
مPج hچptéB مَا أَحَلَّ اللَّهُ y7s9÷. ×ô0s% فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ ِNن3د Z"yJ÷'r&÷. مَعْنًى وَاحِدٌ غير معنى الْيَمِينِ فهما مَعْنَيَانِ.
ويَبْقَى بعد هذا النَّظَرُ هل حَرَّمَ رسول الله * مَارِيَّةَ بِيَمِينٍ، أم حَرَّمَهَا بلفظ التحريم، أم مَنَعَ نفسه منها وقال: لا أَغْشَاهَا؟
وبَقِيَ النَّظَرُ في قول عَائِشَةَ: =آلَى وَحَرَّمَ، وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ كَفَّارَةً+. هل يَرْجِعُ قَوْلُهَا: =وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ كَفَّارَةً+. إلى قوله: =وَحَرَّمَ الْحَلاَلَ+. أم هو مَعْنًى ثالث.
ولأَجْلِ ذلك؛ اخْتَلَفَ الناس في تحريم الحلال من مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح: أَمَةٍ أو حُرَّةٍ. (وقد أَحْكَمْنَا هذه المعاني في كتاب =الأحكام+.
قال أَبُو حَنِيفَةَ: إذا أُطْلِقَ التحريم، حُمِلَ على المأكول والمشروب دون الملبوس، وكانت) يَمِينًا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ.
وقال زُفَرُ: هو يَمِينٌ في الْكُلِّ، حتى في الْحَرَكَةِ والسُّكُونِ.
وتَعَلَّقُوا بأن معنى الْيَمِينِ التحريم، فإن صَرَّحَ بلفظها كانت، وإن صَرَّحَ بالمعنى ثَبَتَتْ، كما لو قال: بِعْتُكَ أو مَلَّكْتُكَ، (وزَوَّجْتُكَ أو مَلَّكْتُكَ). ذلك كله سواء بالإجماع.
وعَوَّلَتِ الْمَالِكِيَّةُ على أن اليَمِينَ عندهم أيضًا وإن كانت تَقْتَضِي التحريم، ولكن الكَفَّارَةُ إنما وَجَبَتْ بقول: =الله+؛ تعظيمًا لِحُرْمَةِ ذِكْرِهِ، فإن كانت الْيَمِينُ خالية عن ذِكْرِ =الله+، لم يَلْزَمْ فيها كَفَّارَةٌ؛ لِعَدَمِ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لها، وقد ذَمَّ الله مَنِ اقْتَصَرَ على التحريم، فقال: ×$ pka0r'¯"t' الَّذِينَ آَمَنُوا xw
(#q مBج hچptéB د M"t6 ح h9s غ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ِNن3 s9÷. وقال تعالى: ×ِ@