بَابُ خُطْبَةِ النِّكَاحِ
[1105] ذَكَرَ حديث ابْنِ مَسْعُودٍ صحيحًا في ذِكْرِ خُطْبَةِ النكاح.
[1106] وذَكَرَ عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي *: =أَنَّ كُلَّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ، فَهْيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ+.
الإسناد:
الحديث وإن كان رَوَاهُ مَنْ وَصَلَهُ ورُوِيَ عَمَّنِ (انْقَطَعَ له)، فإنه صحيح.
الأحكام:
في إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً:
الأولى: ذِكْرُ الله مُفْتَتَحُ كل كلام. ولولا الحاجة إلى الدنيا، لكان الكلام كله مصروفًا إليه، فإذا لم يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الذِّكْرِ لغيره، فَلْيَكُنْ بَعْدَ الذِّكْرِ له.
الثانية: زَادَ فيه أَبُو دَاوُدَ: =أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا، فَإنَّهُ لاَ يَضُرُّ
إلاَّ نَفْسَهُ، وَلاَ يَضُرُّ اللهَ شَيْئًا+.
الثالثة: رُوِيَ أن النبي * سَمِعَ رجلاً يقول ذلك، فقال: =بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ! +. خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ وغَيْرُهُ.
زَادَ فيه بعضهم: =قُلْ: مَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ+. ولم يَصِحَّ.
وقد تَكَلَّمَ الناس في بُؤْسِ هذا الرجل، على وجوه، الأقوى الآنَ عندي: أن الرجل قال ذلك دون تَشَهُّدٍ وحَمْدٍ. زَادَ فيه النَّسَائِيُّ ـ وهي
الرابعة ـ: =أمَّا بَعْدُ، وَيَذْكُرُ حَاجَتَهُ+.
الخامسة: إنْ لم يَتَشَهَّدْ في خُطْبَةِ النكاح جَازَتْ. قال أَبُو عِيسَى: قاله سُفْيَانُ. وما إخَالُ كَلَّ أَحَدٍ إلى سُفْيَانَ. وقد رَوَى أَبُو دَاوُدَ، عن مجهول: =أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ خَطَبَ إلَى النَّبِيِّ * أُمَامَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: فَأَنْكَحَنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَشَهَّدَ+. قال الإمام الحافظ: في ذلك أحاديث، منها: حديث الْمَوْهُوبَةِ، عَقَدَ النَّبِيُّ * نِكَاحَهَا، وَلَمْ يَتَشَهَّدْ. السادسة: أَمَا إنَّ الذي يُسْتَحَبُّ في ذلك مُؤَكَّدٌ الاسْتِخَارَةُ. رَوَى النَّسَائِيُّ صحيحًا عن أَنَسٍ قال: =لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ * لِزَيْدٍ: اذْكُرْهَا عَلَىَّ. قَالَ زَيْدٌ: فَانْطَلَقْتُ فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ، أَبْشِرِي؛ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ * يَذْكُرُكِ، فَقَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي، فَقَامَتْ إلَى مَسْجِدِهَا، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ * حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ أَمْرِهَا+. =فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ * تَقُولُ: إنَّ اللهَ أَنْكَحَنِي مِنَ السَّمَاءِ+. قال الإمام الحافظ: وإنْ كان رسول الله * ليس فيه ما يقال، ولكن
رَدَّتْ زَيْنَبُ الأمر إلى أهله، وأَخَذَتْ بحدود الله وسُنَّتِهِ. السابعة: ذَكَرَ النبي * الخُطْبَةَ بضم الخاء، التي تَكُونُ عند الخِطْبَةِ بكسرها، وهي ذِكْرُ النكاح لِيُعْقَدَ، وقد =خَطَبَ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ * قَدِمَا مِنَ الْمَشْرِقِ، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ *: إنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا+. وسَيَأْتِي إن شاء الله.
الثامنة: يَجُوزُ الاعتذار للخاطب بغير الْعُذْرِ الذي في نفسه، ولا يَكُونُ ذلك كَذِبًا، كما قال عُثْمَانُ لِعُمَرَ حين خَطَبَ إليه حَفْصَةَ: =إنَّهُ لاَ حَاجَةَ لِيَ الْيَوْمَ فِي النِّكَاحِ+. ويَجُوزُ أَلاَّ يُجِيبَهُ ـ وهي
التاسعة ـ: كما فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ.
العاشرة: يُبَيِّنُ له بعد ذلك الْعُذْرَ، إنْ كان مما يُبَيَّنُ، كما فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ وعُثْمَانُ مع عُمَرَ، قالا له: =إنَّ رَسُولَ اللهِ * ذَكَرَهَا، وَمَا كَانَ أَحَدٌ مِنَّا لِيُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ *+.
الحادية عشرة: ثَبَتَ: =أَنَّ النَّبِيَّ * خَطَبَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي فَاطِمَةَ، فَقَالَ لَهُمَا: إنَّهَا صَغِيرَةٌ. فَخَطَبَهَا عَلِيٌّ، فَزَوَّجَهَا مِنْهُ+. فَيَحْتَمِلُ أنه تَأَخَّرَ الأمر، حتى كَبِرَتْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ النبي * كان نَوَاهَا لِعَلِيٍّ، فلم يَكُنْ لِيُبَدِّلَ نِيَّتَهُ، وهذا أَظْهَرُ.