تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا في حين أن دارسي شمبليون, اليوم, ولاسيما الفرنسيين منهم, يكتشفون أبعاد المفارقة, بل أبعاد الهوة القائمة بين شخصية شمبليون ودوره العظيم في اكتشاف ما كان مجهولا من تاريخ مصر القديمة, وبين النظرة الاستعلائية التي تشكلت في مرحلة الإمبريالية - الرُبع الأخير من القرن التاسع عشر, إنها إذن مفارقات التاريخ ووعي تحولاته على مستوى الذهنيات, وإدراك أن التاريخ لا يسير على خط واحد ووجه واحد.

أما رفاعة الطهطاوي, فتشاء الصدفة ذات المغزى التاريخي أن يكون في باريس, يدرس وهو في قلب الحركة الثقافية والاجتماعية الفرنسية ذات الاهتمام بذيول حملة نابليون وبما أنجزه علماؤها من مباحث واكتشاف واهتمامات. لقد أضحت, في حينه, موضوعات مصر مثار اهتمام الأوساط الثقافية والعلمية الفرنسية, ولاسيما في مجال علم المصريات كما أضحت مثار اهتمام الأوساط البرجوازية الباريسية لاعتماد الموضة المصرية, حيث شاعت هواية اقتناء الصورة المصرية والتمثال المصري والزيّ المصري والأثاث المصري (18).

هذا, وأن يكون جومار, محرّر كتاب وصف مصر, أستاذا وموجّها للطهطاوي, فهذا مؤشر لحالة (تثاقف) سيحسن الطهطاوي استيعابها والتعبير عنها, كنموذج لحالة حوار حضاري أولي بعد مرحلة الجمود التي شهدها المجتمع المصري, والتي سبق للجبرتي أن وصف بعض حالاتها على مستوى الأعيان والعلماء والعامة والطرقات وعلاقات السلطة والسوق.

ولنتذكر أن نصوص الجبرتي التي وصفت أحداث الحملة لم تكن معبّرا عن حالة قلق أو تأثر بعلوم فرنسا وأفكارها كما اعتقد البعض. عدا أن نصوصه ظلّت محظورة, كما يقول شارل عيساوي, حتى العام 1870. إن نصوص الطهطاوي التي تضمنت وصف مشاهدته لباريس, تحمل في رأيي محاولات المقارنة الأولى بين مجتمعين وثقافتين ورؤية ما في المجتمع (الآخر) وثقافة (الآخر) من (إيجابيات), ولنقل لإدراك النسبية التاريخية في النظر إلى المجتمعات والحضارات في التاريخ العالمي.

النظرة للغرب .. النظرة للمستقبل · الصفحة ٢٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

النظرة للغرب .. النظرة للمستقبلص ٢٣٦