وشمبليون, عاشق التاريخ المصري القديم واللغات الشرقية القديمة وصاحب الموهبة المبكرة في إتقان اللغات بشكل خارق, كان قد (أحب مصر) بذهنية ابن قرن الأنوار, قرن الدعوة إلى العقل والديمقراطية والمساواة والانفتاح الإنساني على كل الحضارات, وقبل أن تتشكل أفكار النصف الثاني من القرن التاسع عشر (16), أفكار الاستعمار المؤسّس على الإمبريالية المالية والثقافية ومفاهيم القومية الشوفينية والعنصرية التوسعية.
وقد يكون هذا الانتقال من ذهنية ثقافية إلى ذهنية ثقافية أخرى, أي من ذهنية (الأنوار) إلى ذهنية (الإمبريالية), هو ما يفسّر ذلك الفرق في النظر إلى شمبليون بين صورتين: بين شخصية شمبليون الحقيقية, كمكتشف علمي أو كوجه حضاري من وجوه مشروع (وصف مصر), وبين التمثال الذي نحته له لاحقاً النحات الفرنسي بارتولدي في العام 1875 (في باريس قرب الكولاج دو فرانس). لقد نحت بارتولدي تمثال شمبليون بصورة رجل منقبض القسمات, متغطرس, وقد أسند ذقنه إلى قبضة يده ووضع رجله على رأس فرعون. إنه يبدو, وكما يصفه الكاتب المصري أنور لوقا, (مفكرًآ متعجرفًا), يمثل دور المصارع الذي ينتصب على قاعدته متعاليا تعالي البرجوازي الغالب)(17).
أما رأس الفرعون, فيبدو في التمثال مغلوبا صريعا. إنها إذن علاقة اللاتكافؤ في زمن مُسقط على زمن آخر. إنه التمثال في غير محله, تاريخيا وجغرافيا, وثقافيا. إنها صورة لعلاقة بين مستعمر يُرى ويُعاش بذهنية أواخر القرن التاسع عشر, وبين مجتمع يُقهر في حالة ضعف, فُستحضر بسبب هذه الذهنية قوة ذاك المجتمع من التاريخ السحيق لتكون هي أيضا (أي القوة السابقة) في وضعية المغلوب أيضا, وكما يظهرها - بوقاحة - رأس الفرعون في التمثال مُداسا بقدم شمبليون.