تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جان فرنسوا شمبليون, مكتشف الحروف الهيروغليفية وقارئ رموزها وواضع قاموس لغتها الذي اعتبر مفتاح تاريخ الحضارة المصرية القديم, يقع داخل هذا الإشكال التاريخي, أي داخل هذا الالتباس الذي تتجاذبه الأيديولوجيات الثقافية والسياسية من مرحلة إلى مرحلة, ومن بلد إلى بلد, وبصيغة عناوين ومفردات مختلفة: الثقافة والاستعمار, المعرفة والعنف, العلم والسلطة, الحضارة والحرب... الخ. وعليه فإن كتاب وصف مصر يُعدّ إنجازا حضاريا, وإن كتبه علماء قدِموا في كنف حملة استعمارية استخدمت العنف المسلح في فتح البلد وإخضاعه. فثمة علماء كانت تُحركهم المغامرة العلمية وحب الاطلاع حتى مكابدة الخطر: إنها متعة المعرفة واكتشاف (الجديد) وفك اللغز المجهول, إنها ذهنية (أنوار) القرن الثامن عشر, تلك التي كانت لا تزال تهيمن على العديد من علماء الحملة الفرنسية, بمعزل عن أهداف نابليون وحكومة الإدارة, وبمعزل أيضا عن تصورات نابليون في تمثله لعظمة (الإسكندر) ودوره (الهليني) في الشرق.بل حتى ولو افترضنا علاقة ما بين تلك الذهنية وهذه التصورات, فإن ثمة عالمية ثقافية كان يحملها المشروع الرأسمالي الأوربي بالرغم مما ينطوي عليه من تناقضات وصراعات ومنافسات استعمارية. ألم يحمل المشروع الإسلامي, إبان ديناميته, هذه العالمية في الاقتصاد والثقافة والفتوح أيضًا, فتجلّت عند أدبائه ومؤرخيه وعلمائه ورحّالته وجغرافييه الذين كانوا يجوبون البلاد المفتوحة بذهنية المغامرة العلمية نفسها?

النظرة للغرب .. النظرة للمستقبل · الصفحة ٢٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

النظرة للغرب .. النظرة للمستقبلص ٢٣٤