هذا واللافت في نصوص الطهطاوي التي غالبا ما يستشهد بها الباحثون المعاصرون ليروا فيها (إرهاصات) دعوة إلى المواطنية, أو إلى الحريات السياسية, أو ربما حقوق الإنسان, أنها تكتفي بالوصف الحيادي لما هو (عندهم) أي عند الغربيين (وفي حالة الطهطاوي عند الفرنسيين). أما في حال الوصف (بإعجاب) أو رضى فنلاحظ استدراكا سريعا لدى الطهطاوي يذكر قارئه بما يوازيه أو يماثله (عندنا). ولنلاحظ كيف يعلق على المادة الأولى من الدستور الفرنسي:
(سائر الفرنسيين مستوون قدام الشريعة) الناس مستاوون أمام القانون يشرح الطهطاوي هذه المادة فيقول: (إن الدعوة الشرعية تقام على الملك وينفذ عليه الحكم كغيره).
ويعلق على هذا المعنى: (فانظر إلى هذه المادة الأولى, فإن لها تسلطا عظيما على إقامة العدل وإسعاف المظلوم وإرضاء خاطر الفقير بأنه كالعظيم, نظرا إلى إجراء الأحكام, ولقد كادت هذه القضية أن تكون من جوامح الكلم عند الفرنساوية, وهي من الأدلة الواضحة على وصول العدل عندهم إلى درجة عالية, وما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يطلق عليه عندنا العدل والإنصاف, وذلك لأن معنى الحكم بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين, لا يجور الحاكم على إنسان بل القوانين هي المعتبرة)(7).