تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما فيما يتعلق بالنظام السياسي والأفكار الدستورية والحقوقية, وبما تعنيه من حق مشاركة وتحديد علاقات بين مجتمع ودولة, أو حقوق وواجبات مواطنة وهيئة حاكمة, فقد ظل استيعاب تلك الأفكار لدى النخب العربية والإسلامية الموظفة في إدارة الحاكم أو القريبة منه (وكان هذا حال الطهطاوي) متأرجحا (بين السكوت والتعبير, كما ظل التعبير عنها بلغة محلية أمرا ملتبسا.

وأسباب هذا الالتباس تعود - في ظني - إلى أمرين:

أولاً: الاعتقاد, من ضمن الثقافة السياسية السائدة في التاريخ الإسلامي, بقدرة الحاكم الطيب أو الخير, على الإصلاح ورعاية شؤون الرعية من موقع مزاجه وإرادته.

ثانيا: الاعتقاد بتضمن الشريعة أصولا لما يسمى في الغرب, الحقوق الطبيعية والمدنية والشخصية, أو أوجه شبه لها في النصوص الدينية, الأمر الذي يجعل من عملية الإطلاع والاقتباس, عملية مركبة ومعقدة, وتقوم آليتها المعرفية - النفسية على التجاذب بين مرجعيتين معرفيتين: الليبرالية الغربية, والإسلامية التراثية.

كان هذا شأن الطهطاوي في مطالعاته وتحقيقاته وشروحاته على مشاهدته سواء عبر القول الصريح أو الفكرة المضمرة أو السكوت عنها.

على أن هذه الحال المعرفية المؤطّرة والمحددة بأمكنة وأزمنة معينة بالنسبة للطهطاوي (مصر, باريس, وقرن تاسع عشر فرنسي وقرن تاسع عشر مصري, أي عربي - إسلامي), كان لابد أن تخرج بفعل ممارسة البحث المعرفي نفسه, وحال التبصّر المرافقة لها إلى إطار أرحب وأوسع من الزمن المعيش, والمكان الموطن. وأقصد إلى زمن عالمي وتاريخ عالمي. ولعل هذا ما عبّر عنه باشلا - عندما قال في تكوين العقل العلمي, اعتمادًا على برجسون (إن الكائن الحي يكتمل بقدر ما يستطيع الوصل بين حياته المتكونة من لحظة ومن مكان, وأزمنة وأماكن أكبر. إن الإنسان إنسان لأن سلوكه الموضوعي ليس مباشراً ولا محليًا. والتبصر هو شكل أول من إشكال التوقع العلمي)(1).

النظرة للغرب .. النظرة للمستقبل · الصفحة ٢٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

النظرة للغرب .. النظرة للمستقبلص ٢٢١