أدى (الاخراج الجديد) إلى نقلة نوعية في الجريدة, خاصة أن (رفاعة) حرص على إلغاء الثناء المفرط بالوالي والأخبار المكتوبة بشكل بدائي, مضحك, وعوّضها بموضوعات جادة, وأخرى مقتبسة من التراث العربي كمقتطفات من (مقدمة ابن خلدون) وغيرها.
وعندما تولى الاشراف على مجلة (روضة المدارس, فسح المجال لمجموعة من تلامذته اللامعين بتحريرها ومنهم:
صالح مجدي, عبدالله أبو السعود, عبدالله فكري, عثمان جلال وغيرهم, وهم الذين سيضحون نجوم الصحافة والأدب في أواخر القرن التاسع عشر.
و(للطهطاوي) فضل في نشأة القصة الحديثة ويتجلى هذا لكل من يطالع كتاب المويلحي الشهير (حديث عيسى بن هشام), يبحث أبطال هذه القصة عن سر فساد المجتمع المصري فيكتشفونه في تغلغل الحضارة الغربية, لهذا يقومون برحلة إلى بارس للتثبت من أمر تلك الحضارة في موطنها ومقارنتها مع الحياة المصرية. (الرحلة الثانية) - عنوان الجزء الثاني من (حديث عيسى بن هشام) صورة متطورة من رحلة (رفاعة).
وينبغي التوقف عند جهود (الطهطاوي) في الترجمة.. ذلك الفن الذي منحه الكثير من وقته وطاقاته.
كانت ترجمته لقصة (مغامرات تليماك) لفنلون مثار دهشة الكثيرين, فلقد فطن إلى أهميتها وأهمية ما تشتمل عليه من دروس وعظات سياسية, فترجمها وهو منفي في السودان.
وقارئ (مواقع الأفلاك في وقائع تليماك) يستطيع أن يلمس كيف تدخل رفاعة في النص للتعبير عن آرائه وكيف اتخذ القصة سلاحًا أدبيًا نفاذًا.
وأثناء عمله الجاد في نقل التراث الغربي إلى اللغة العربية اصطدم (الطهطاوي) في نقل المعاني الدقيقة ومصطلحات العلم الحديث بجمود اللغة العربية وخلوّها من مقابل للكلمات الفرنسية, ولسد ذلك النقص قرر ترجمة كتاب موسوعي في التعريف بعوائد الأمم وتقاليد المجتمعات الإنسانية, منحه عنوانًا تقليديًا هو (قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر), قدم له بشرح مسهب للكلمات الغريبة مرتبة على حروف المعجم.